ويبين لهم أن الأمرين متلازمان، لا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فالأسباب وإن عظمت وقويت فإنها محكومة بقضاء الله وقدره، ولا يتم للقائم بها أمره من كل وجه إلا بتوكله واعتماده على الله تعالى، مسبِّبها ومصرِّفها والقابض على ناصيتها وأزمتها.
ويخبركم الدين مع ذلك أن التوكل وحده، بدون فعل الأسباب، وبدون القيام بالمقدور من الشؤون الدينية والدنيوية، ليس بتوكُّل حقيقي، بل هو ضعف وعجز، فكلما قوي توكُّل المسلمين على ربهم، قويت أعمالهم النافعة، وقويت هممهم، وانبعثت عزائمهم إلى جميع مصالحهم، والربُّ تعالى لقيامهم بالأمرين وتحقيقهم للتوكل عليه واجتهادهم في فعل الأسباب، يعينهم وييسر لهم أمورهم، ويحقق لهم رجاءهم وينزِّل عليهم من نصره ومعونته وتأييده، بحسب قيامهم بالأمرين؛ والنصوص من الكتاب والسنة، تحثُّ على الأمر بالتوكل على الله في كل الأمور، والأوامر بالأخذ بجميع الأسباب النافعة، لا تنحصر، بل الدين كلُّه قيامٌ بالأسباب، وتوكل على مسببها ومصرفها. وهذا الذي نبَّهنا عليه من الدين الإسلامي هو من الكمال الذي لا يقاربه كمال، ويسقط به ويضمحل قول هذا الكاتب الذي يقول: إن الإيمان بقضاء الله وقدره، والتوكُّل على الله يوهن المسلمين ويضعفهم، وأنه يجب عليهم ترك ذلك؛ وأن التوكل على الله هو العلم بنظام الطبيعة، وكذلك الإيمان بالقضاء والقدر، كما صرح بذلك في صفحات (17) و (29) و (268) و (315) من كتابه، ويتضح بذلك أن المسلمين حقيقةً المتبعين لإرشادات دينهم وتعاليمه؛ هم المتوكلون على الله حقيقةً، وأنهم أقوى الخلق على فعل الأسباب، امتثالًا لأمر ربهم وطلبًا لمصالحهم، واستمدادًا من قوته وارتقابًا لثوابه، وأن الدين الإسلامي