يبطل الطريقين الذميمين: طريق العجز والضعف؛ الذي يتعلل صاحبه أنه متوكل على الله، وإنما هو مهين ساقط الهمة، معتذر بما لا يعذر به، وطريق الملحدين المعطلين، الذين يعتمدون على الأسباب ويرونها مستقلة؛ منقطعة عن قضاء الله وقدره، وأن الله لا يتصرف في الأسباب عندهم بإيجاد ولا تقوية ولا إضعاف ولا بمنعها ولا له قدرة على معارضتها، كما قرره صاحب هذا الكتاب في ثنايا كتابه خصوصًا في الفصل الأخير المعنون بـ: (مشكلة لم تحل) ، وهذا هو التعطيل المحض والنفي لربوبية الله ولأفعاله، وهو في الحقيقة مذهب الدهريين الطبائعيين الجاحدين لله بالكلية.
وقد سلك أيضًا مسلك الدهريين في هذا؛ الذين يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، المنكرين للثواب والعقاب، حيث أنكر أن الإيمان والتقوى والعمل الصالح سبب للثواب العاجل والآجل، وأن الكفر والفسوق والعصيان، أسباب للعقوبات العاجلة والآجلة، وتهكم بذلك وبالقائلين به المعتقدين له؛ كما صرَّح به وردده في الصفحات (35) و (165) و (178) و (315) ، و (319) و (325) والسبب الوحيد عنده في المصائب الدنيوية وضدها، إنما هي الأسباب المادية فقط، وعمل الطبيعة. ثم لم يزل يقرر هذا الأصل الخبيث، حتى زعم أن الإيمان بالله وباليوم الآخر، يمنع الرقي، ويمنع كون العبد سببًا محضًا منتفعًا بأعماله، وأنه غل ورباط يمنع من الخير والصلاح، وأن الأديان السماوية أكبر المصائب على البشر.
وقولٌ وصل إلى هذا الحد ليس بعده تقدم إلى الكفر، وإنما هو النهاية في الكفر والتعطيل، والجحود لرب العالمين، والخروج من الديانات السماوية كلها، وهو غاية الخروج من العقل والحس، فإن قضية الإيمان بالله ورسوله هي أكبر القضايا وأعظمها وأوضحها وأجلاها براهين وأدلة، وإثبات أنه هو الفعال لما يريد الخالق لكل شيء الذي يدبر الأمور كلها، ويكرم الطائعين، ويعاقب العاصين، فلا ينكر ذلك إلا