معرفة هذه الفنون والصناعات؟ ألم يكن المسلمون وقت قيامهم الحقيقي بهذا الدين هم سادات الخلق، الذين قهروا بفضل دينهم وأخلاقه وتعاليمه العالية جميع الأمم، وحطموها وأفنوا صروح أكبر دول الأرض يومئذٍ؟ ألم تكن مدنية الدين الإسلامي هي المدنية الزاهرة الحقيقية، حيث كان روحها الدين والعدل والرحمة والحكمة؛ وقد شملت بظلها الظليل، وإحسانها المتدفق؛ الموافق والمخالف والعدو والصديق؟ فهل أخّرهم دينهم ومنعهم الرقي الحقيقي؟، وهل نفع الآخرين كفرهم بالله وبربوبيته وإلهيته في تلك القرون الطويلة، إذ كانوا هم الأذلين المخذولين في مواقف الحياة، كما زعم هذا الكاتب الذي يهرج على من لا يعرف الحقائق؟
ثم لما ترك المسلمون الاستمساك بتعاليم دينهم وتفرقوا شيعًا، وارتقى الأجانب في علوم المادة وفنون الصناعات والاختراعات ووصلوا إلى أمر لم يسبق له مثيل، فهل أغنت عنهم هذه المدنية وهذا الرقي؟ وهل وقتَهم الشرور، إذ كانت مدنيتهم مبنية على الظلم والجشع والطمع المفرط وطلب استعباد الخلق، ولم يكن معها من روح الدين ورحمته شيء؟ فهل ردت عنهم هذه الملاحم والمجازر البشرية والإهلاك والتدمير، الذي لم يسبق له نظير ولا مقارب في تاريخ الخليقة؟ وهذا من أكبر البراهين، على أن الرقي في هذه الحياة، إذا خلا عن الدين الحق، صار ضرره أكبر من نفعه، وشرّه أكثر من خيره، إذا كان فيه خير، كما زعمه هذا الكاتب.
فلو كانت هذه الأمم الراقية في الفنون العصرية معهم دين صحيح، وبنوا حضارتهم على الرحمة والعدل والحق والتسوية بين الخلق وبين الأمم القوية والأمم الضعيفة، في الحقوق فما ظنك أن تصل بهم هذه الحضارة؟ وما ظنك بما ينكف بها من الشرور العظيمة التي جرت وهي جارية وستجري ما داموا على حالهم؟
أما تأخر المسلمين الآن في الفنون العصرية والاختراعات والصناعات وأشباهها فليس هذا التأخر منسوبًا إلى دينهم، فليس في دين الإسلام أصل من