الدين والكافرين به، ويناظر كما يناظرون لأنه في كتابه هذا كشف الغطاء وصرح بالعظائم الكبرى المنافية لدين الإسلام بالكلية.
ثم إن هذا الكاتب يزعم أن تلك القرون المفضلة، التي لم يشاهد الناس لها مثيلًا في الجلال والجمال والكمال، لم تبلغ رشدها بل هم في طور الطفولة، وعنده أن الرشد والكمال المفضل منحصر في الماديين من الملحدين؛ كما صرح به في تلك الصحائف آنفة الذكر؛ والسبب الذي أداه إلى هذه المقالات الجائرة المنحرفة، أن الفضل منحصر عنده في شيء واحد، وهو عبادة الطبيعة ووجوب إعطائها القلب والقالب والظاهر والباطن، والانصراف بالكلية إلى هذه الحياة فقط، والتمتع بزهرتها، والانحلال عن القيود الدينية، وإباحة جميع ما تشتهيه النفوس، وإطلاق العنان لها؛ كما أطال في هذا الموضوع وردد فيه الكلام الساقط، ثم في مقابلة ذلك التحامل على كل ما يعارض هذا الطريق والتهكم بالدين وحملته، فإذا كان هذا هو الكمال عند هذا المنحرف، لم يستغرب بعد هذا قدحه في خير العالمين، وسخريته من علومهم وأخلاقهم وأعمالهم، وما هم عليه في جميع الأحوال، فصار منطبقًا عليه وعلى أمثاله غاية الانطباق قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83] ولهذا ارتكب العظائم في تحليله لحياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وشخصيته الكريمة، بكلام طويل مردد كقوله: «كان يعبد الطبيعة، وأنها قد أخذت بقلبه وقالبه ولبّه، وأنه كان يناجي الليل والنهار والضياء والظلمة والنسيم ونحوها مما يشاهد، وأنه افتتح رسالته بمناجاة الطبيعة والخلوة بها في غار حراء، وختم رسالته وحياته بشدة النزوع إليها وقت السياق حيث كان يقول: «في الرفيق الأعلى» [1] .
(1) - سبق تخريجه.