وهذا بعينه قد أخذه من دعاة النصارى المفترين، الذين لما بهرهم ما جاءهم به محمد صلّى الله عليه وسلّم من الدين الحق والتعاليم العالية والرقي الكامل والفتوح الباهرة والآثار، التي لم يحصل عشر معشارها لأحد من الخلق، طفقوا يموهون على الناس ويحللون حياته صلّى الله عليه وسلّم تحليل أحد رجال الطبيعة، يعني الذين لا يؤمنون بالله وملائكته وعالم الغيب من الأرواح والجن بله الدار الآخرة، وما وراء المحسوسات والملموسات، فأخذ عنهم هذا المأخذ الخبيث، وأنكر الوحي والرسالة بهذا التحليل؛ ورمى النبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه طبيعي لا يعرف الله ولا يعرف الوحي، فلم ينزل عليه جبريل من عند الله، ولا كان يناجي الله ولا يعبده، ولا كان عند السياق إلا مشتاقًا إلى الطبيعة فقط، لأنه لا يعرف الله ولا يريده ولا يحبه ولا يطلبه، عند هذا الكاتب الذي تجرأ على ما لم يتجرأ عليه من يتسمى بالإسلام من الملحدين. ولا تستغرب هذا عليه فإنه سيأتي أنه صرح تصريحًا لا تردد فيه بالكفر بالأنبياء والرسل كلهم، وصرح أنهم لم ينفعوا الخلق بوجه من الوجوه، فمن كانت هذه وقاحته وتصريحاته، فلا يستبعد عليه شيء؛ وظهر بهذا غرضه الوحيد، وهو الدعاية البليغة إلى نبذ الدين وأصوله ومحاربته بكل طريق. ومن فضل الله أن طريقته في كتابه قد عرفها الناس، وعرفوا ما ترمي إليه من الغايات، وعرفوا الأيدي المحركة لها، ويأخذهم العجب الكبير؛ كيف صار هذا الرجل بعد سوابقه، فريسة لأعداء الدين، وآلة لهم صماء في طريق مآربهم ومقاصدهم؛ فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين،
وأن لا يزيغ قلوبنا بعد الهداية. والمقصود أن هذا الكاتب جعل الفضل كله في جانب الأجانب الكفار، ولم يدر ـ أو درى وتجاهل، وهو الأحرى
بمثل هذا الرجل ـ أن الفضل الحقيقي هو السعي في طرق الكمال،
والتخلق بكل خلق جميل، والتنزه عن كل خلق رذيل، وهو الفضل
الذي يرقي القلوب والأرواح، ويوصل أهله إلى أعلى الغايات وأشرف