جدًا، وأنهم في ذلك الوقت في طور الطفولية، بل في طور قريب من طور الحيوانات، ولم يبلغوا رشدهم، وإنما الذين بلغوا رشدهم عنده ملاحدة هذا الزمان، الذين علموا من علوم المادة ما لم يعلمه الأولون، لأن العلوم النافعة عنده هي الفنون العصرية فقط، وأما الأصول والعقائد وعلوم الأخلاق وتوابعها التي علم الطبيعة فرع من فروعها، فإنها على قول هذا ليست من العلوم التي يؤبه لها، وكفى به خذلانًا، أن تصل به الحال إلى هذا.
والآية ولله الحمد واضحة لا إشكال فيها، وأن هذا وصف للكافرين المكذبين لمحمد صلّى الله عليه وسلّم، أخبر تعالى أن علومهم ظاهرة، يعلمون ظاهر الحياة الدنيا دون باطنها، وأنهم في غفلة عن الآخرة، فهذا السبب الذي أوجب لهم، ردَّ ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم وإلا فلو علموا ظاهرها وباطنها المقصود منها؛ لبادروا إلى الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، كما فعله أهل العلم الحقيقي الذين بادروا لما رأوا الآيات البينات إلى الإيمان به، لكن هذا الرجل يطبّق هذه
الآية على خيار الخلق، وأكمل القرون على الإطلاق، ويسخر من العالمين
بباطن الدنيا المستعدين للآخرة، القائمين بعبودية الله، الجاعلين الدنيا
وسيلة إلى الدين، وهو يريد ويحاول في كتابه هذا أن تكون الدنيا هي المقصودة والغرض الأصلي، وأما الآخرة فإن كتابه هذا كفيل بتزهيد الناس فيها، وفي عبودية الله، وفي الجزاء الأخروي؛ فأي إيمان وأي إسلام وأي عقل صحيح بقي بعد هذا؟
ومن ذلك تفسيره لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» [1] بأن
(1) - أخرجه البخاري (1359) من حديث أبي هريرة، ومسلم كذلك (2658) ، وابن حبان (128) ، والإمام أحمد في المسند (7181) من حديث أنس بن مالك.