بهذه الأقوال الخبيثة؛ وزنادقة المتفلسفة قالوا: إن الرسل كذبوا للمصلحة، وخيّلوا للناس تخييلات تخالف الحقائق، وزنادقة دعاة النصرانية، لما بهرهم ما جاءهم به محمد صلّى الله عليه وسلّم من الدين الكامل والأخلاق والعلوم والأعمال والفتوحات الإسلامية، شرعوا يموّهون على الناس، ويزعمون أنهم حللوا حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وخرجوا من هذا التحليل الخبيث بنتيجة أن الوحي الذي جاءه ليس من الله، وإنما هو من نفسه لنفسه، وأنه رجل سياسي حكيم؛ وهذا سلك مسلكهم بعينه، حيث زعم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يخلو بالطبيعة ويناجيها، ويناجي الليل والنهار والأرض والسماء والضياء والظلام والنسيم،
وأنه افتتح رسالته بمناجاة الطبيعة والخلو بها في غار حراء، وختمها بكمال
تعلقه بالطبيعة واشتياقه إليها، حيث قال في حالة السياق: «في الرفيق الأعلى» [1] فهذا إنكار صريح لرسالته، وحذو لما قاله دعاة النصارى، إلا أن التعبير مختلف.
أعداء الرسل من الدهريين الطبيعيين، زعموا أنه ليس سوى هذه الحياة، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وطبيعة لا تقلع، وهذا جرى مجراهم بعينه، فقال: إن هي إلا طبيعة تفعل وتتطور، وتتفاعل وتنفعل، وتتنقل من حال إلى حال، وتدير نظام العالم، فهي المدبرة عنده للأمور الدقيقة والجليلة، وليس لله عنده فعل ولا وصف بل ولا وجود.
أعداء الرسل قالوا في رد دعوته وتكذيبه: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91] ، وهذا يزعم أن الوحي خيالي غير حقيقي، أعداء الرسول وأعداء سائر الرسل يقولون لرسلهم: إنا تطيرنا بكم، وإنا لم نر
(1) - سبق تخريجه.