الخير على وجوهكم، ولم نر فيما جئتم به إلا الشر، وإنما الخير ما نحن عليه، وهذا قال ما قالوه وأكثر منه عن الدين حيث زعم أنه شر، وأنه من أعظم المصائب عنده، وأن أهله لا خير فيهم، ولا فيهم من الفضيلة شيء، بل هم محتوون على الرذيلة وأهله ساقطون، وإنما الخير فيما جاء به الملحدون وما عليه المكذبون هو الذي به السعادة والفلاح والرقي.
أعداء الرسل وأعداء الرسول استهزؤوا بهم وبما جاؤوا به، وهذا سخر بالأديان السماوية كلها، وملأ كتابه من الاستهزاء والسخرية بها وخصّ بذلك وكَبِره دين الإسلام، أعداء الرسول قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] ، يعنون بذلك رؤساء الكفر والتكذيب بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقدَّموا أقوالهم وآراءهم على ما جاء به الرسول، وهذا احتقر الرسول وما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وزعم أن العظمة محصورة في زنادقة الملحدين، وقدّم ما قالوه ورأوه على ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
أعداء الرسول من اليهود قالوا ماكرين، ودبروا ما دبروه مخادعين، {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] وهذا سلك مسلكهم، فزعم أنه ينصر الدين، ليروّج بمقالته ما قاله في هدم الدين، لعل قوله: يروج على ضعفاء العقول، لدعوى صاحبه أنه من المؤمنين.
أعداء الرسول من المشركين، ينكرون الإيمان بالله، وإخلاص العمل لله وحده لا شريك له، ويقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] وهذا سلك أخبث من هذا المسلك، حيث ذمّ الافتقار إلى الله وعبودية الله ظاهرًا وباطنًا، فلم يقتصر على مذهب المشركين، بل اختار مذهب المستكبرين الذين لم يجعلوا لله شيئًا من العبادة بالكلية، وإنما الواجب عنده إخلاص العكوف على الطبيعة وعبادتها ظاهرًا وباطنًا.