ودليل وجوب الحج هو قول الله - تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ) )؛ رواه مسلم 2/ 975 في الحج باب فرض الحج مرة في العمر.
ومن أنكر فرضية الحج فهو كافر مرتد عن الإسلام إلا أن يكون جاهلًا بذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئًا في بادية بعيدة لا يعرف من أحكام الإسلام شيئًا فهذا يعذر بجهله ويعرّف، ويبين له الحكم، فإن أصر على إنكاره حكم بردّته، وأما من تركه متهاونًا مع اعترافه بفرضيته فهذا لا يكفر ولكنه على خطر عظيم لأن الراجح أن الحج واجب على الفور فيمن توافرت فيه شروط الحج (التي سيتم ذكرها بعد قليل) لأن الأصل في الأمر أن يكون على الفور ولهذا غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا؛ أخرجه البخاري في الشروط (2731) ، (2732) . ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له فقد يكون الآن قادرًا وفي المستقبل عاجزًا ولأن في ذلك إبراء للذمة قبل معاجلة الموت ولأن الله - تعالى - أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148]. وبعد أن تبينا حكم الحج نود أن نتعرض لتاريخ مشروعيته:
اختلف العلماء في تاريخ مشروعية الحج على أقوال فمنهم من قال في السنة السادسة للهجرة وقال آخرون في السنة التاسعة وهو الصواب لأن آية فرضيته هو قول الله- تعالى - {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وهي في صدر سورة آل عمران وقد نزل صدر هذه السورة عام الوفود ("شرح العمدة"لشيخ الإسلام 1/ 219 وتفسير ابن كثير 1/ 368) وفي هذا العام قدم وفد نجران وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع. وحكمة تأخر فرضية الحج والله - تعالى - أعلم، أن مكة زادها الله شرفًا، كانت قبل تلك السنة تحت سيطرة المشركين من قريش فليس يتسنى للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أن يحجوا على الوجه الأكمل ومن المتوقع أن تمنعهم قريش من الحج كما فعلوا في السنة السادسة عندما صدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن إتمام عمرتهم، ولكن بعد أن تحررت مكة من الكفر بعد فتحها صار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة.
فقد اختلف العلماء في حكم العمرة فمنهم من يرى أنها واجبة ومنهم من قال أنها سنة ومنهم من فرق بين المكي وغيره، فقال هي واجبة على غير المكي أما أهل مكة فلا تجب عليهم. والراجح والله - تعالى - أعلم أنها واجبة على المكي وغيره في العمر مرة لكن وجوبها أدنى من وجوب الحج، لأن وجوب الحج فرض مؤكدًا، وهو أحد أركان الإسلام بخلاف العمرة يقول ابن عمر - رضي الله عنهما:"ليس أحد إلا وعليه حج وعمرة"؛ البخاري مع الفتح 3/ 597. وعندما سألت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت:"يا رسول الله هل على النساء جهاد؟"، قال: (( نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ) )؛ أخرجه الإمام أحمد في مسنده 65/ 156 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/ 151.