الصفحة 46 من 67

وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ تَاثِيرًا فِي جَلْبِ الْمَحَبَّةِ الذَّبُّ عَنْهُ فِي غَيْبَتِهِ مَهْمَا قُصِدَ بِسُوءٍ أَوْ تَعَرُّضٍ لِعِرْضِهِ بِكَلَامٍ صَرِيحٍ أَوْ تَعْرِيضٍ، فعنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ» [1]

فَحَقُّ الْأُخُوَّةِ التَّشْمِيرُ فِي الْحِمَايَةِ وَالنُّصْرَةُ، وَالسُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ مُوغِرٌ لِلصَّدْرِ وَمُنَفِّرٌ لِلْقَلْبِ وَتَقْصِيرٌ فِي حَقِّ الأخوة.

ومن حقه عليك تعليمه، ونصحه لإصلاح عيوبه، إذ حاجته للعلم والنصح لا تقل عن حاجته للمال، وليكن ذلك سرًا وبما لا يسيء إليه أو يجرح شعوره، فأنت مرآة أخيك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ» [2]

وقَالَ الْحَسَنُ البصري: «الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، إِنْ رَأَى فِيهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ سَدَّدَهُ وَقَوَّمَهُ، وَحَاطَهُ وَحَفِظَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، إِنَّ لَكَ مِنْ خَلِيلِكَ نَصِيبًا، وَإِنَّ لَكَ نَصِيبًا مِنْ ذِكْرِ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَثِقُوا بِالْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ وَالْمَجَالِسِ» [3]

وقال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانيةً فقد فضحه وشَانه.

وكان عمر رضي الله عنه يقول:"رَحِم اللهُ امرءًا أهدَى إلى أخيه عيوبَه"

وقال ذو النون المصري:"لَا تَصْحَبْ مَعَ اللَّهِ إِلَّا بِالْمُوَافَقَةِ، وَلَا مَعَ الْخَلْقِ إِلَّا بِالْمُنَاصَحَةِ، وَلَا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة".

-الحق الثالث: العفو عن الزلات والهفوات:

وهي إما تقصير معك في حقك، أو تقصير مع الله بالمعصية.

ففي الأولى: يجب اتخاذ العذر له، ولتَعْلَمَ أَنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ اعْتَزَلْتَ عَنِ الْخَلْقِ كَافَّةً وَلَنْ تَجِدَ مَنْ تُصَاحِبُهُ أَصْلًا، وكما قيل:

(1) - رواه الترمذي (1931) وحسنه، وصححه الألباني، و أخرجه أحمد (27543 - ت الأرنؤوط) وقال الأرنؤوط: حسن لغيره، وأخرجه الدولابي في"الكنى والأسماء"1/ 24 من طريق عبد الله بن المبارك، بهذا الإسناد.

(2) - رواه أبو داود (4918) وحسنه الألباني.

(3) - الإخوان لابن أبي الدنيا (رقم 55)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت