إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا مَا أَيْسَرُوا ذكروا ... من كان يألفُهُم في المنزلِ الخَشِنِ
وأوصى بعض السلف ابنه فقال: يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك، وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك.
وَمِنْ آثَارِ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ وَتَمَامِ الْوَفَاءِ أَنْ تجزع مِنَ الْمُفَارَقَةِ، كَمَا قِيلَ:
وَجَدْتُ مُصِيبَاتِ الزَّمَانِ جَمِيعَهَا ... سِوَى فُرْقَةِ الْأَحْبَابِ هَيِّنَةَ الْخَطْبِ
وَأَنْشَدَ سفيان بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْبَيْتَ وَقَالَ: لَقَدْ عَهِدْتُ أَقْوَامًا فَارَقْتُهُمْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً مَا يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ حَسْرَتَهُمْ ذَهَبَتْ مِنْ قَلْبِي.
وهذا ما حدث مع عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لما استُشهد أخوه زيد يوم اليمامة، صَبَرَ عمرُ على ذلك، مع شدة حزنه على فراق أخيه، وكان يحن إليه، ولا يكاد يفارق ذاكرته، وكان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي، وَأَبْصَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتِلَ أَخِيهِ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ لَقَدْ قَتَلْتَ لِي أَخًا مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا ذَكَرْتُهُ» [1]
-و لَيْسَ مِنَ الْوَفَاءِ مُوَافَقَةُ الْأَخِ فِيمَا يُخَالِفُ الْحَقَّ فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، بل الوفاء له المخالفة، فقد كان الشافعي رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه، ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه
وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في علته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه، ليومئ إليه، فقال الشافعي سبحان الله أيُشك في هذا!! أبو يعقوب البويطي، فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي، مع أن محمدًا كان قد حمل عن الشافعي مذهبه كله، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع
(1) - مستدرك الحاكم (3/ 253) وسير أعلام النبلاء للذهبي (1/ 298)