والسخرية ظلم قبيح، وإيذاء للأخ وعدوان على كرامته، وإيذاء لنفسه وقلبه، ومن آثارها أنها تقطع الروابط الاجتماعية القائمة على الأخوة والتوادّ والتراحم، وتبذر بذور العداوة والبغضاء، وتولد الرغبة بالانتقام.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ" [1]
واللمز هو أن يعيب الإنسان أخيه في وجهه بكلام ولو خفيّ، ورب لمز خفي هو أشد من طعن صريح، وأعمق من جرحًا في داخل النفس، لأنَ فيه بالإضافة إلى الطعن والتجريح بالعيب معنى استغباء الملموز واستغفاله، فكأن اللامز يشعر اللذين في المجلس أن الملموز غبي لا ينتبه إلى الطعن الذي يوجه ضده في رمز الكلام. والهمَّاز اللَّماز مَذْمُومٌ مَلْعُونٌ، كَمَا قَالَ تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الْهُمَزَةِ: 1] والْهَمْزُ يكون بِالْفِعْلِ، وَاللَّمْزُ بِالْقَوْلِ.
فاللمز والغمز قبيحة اجتماعية تورث الأحقاد والأضغان، وتقطع أواصر الأخوة الإيمانية، وهو ظلم وعدوان، ونلاحظ أن القرآن عبر عن لمز الأخ الموحد لأخيه بلمز نفسه وكأنهم جسد واحد فقال (ولا تلمزوا أنفسكم) .
والتنابز بِالألْقَابِ: هو التداعي بِالْأَلْقَابِ السيئة الَّتِي يَسُوءُ الشَّخْصَ سَمَاعُهَا. عن أَبُي جَبِيرة بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ: {وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ} قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دُعِىَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا. فَنَزَلَتْ: {وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ} [2]
فهذه المنكرات الاجتماعية لها أثر كبير في تمزيق الأخوة وتشقيق جسدها، وبذر بذور الحقد والضغينة، وهو ما لا يرضاه المولى عز وجل، وهو ما لا يجب أن يظهر في المجتمع المسلم.
(1) - الترمذي رقم (1850) وقال: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أَيُّوبَ.
(2) - رواه أحمد (4/ 260) و أبو داود برقم (4962) ورواه الترمذي في السنن برقم (3268) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:"حديث حسن صحيح".وانظر تفسير ابن كثير (7/ 376)