أَقُولُ لَهُ حِينَ أَلْفِيتُهُ ... عَلَيْكَ السَّلَامُ أَبَا جَعْفَرِ
فَوَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ:"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ الْفَتَى:"
فَهَذِي ثِيَابِي قَدْ أَخْلَقَتْ ... وَقَدْ عَضَّنِي زَمَنٌ مُنْكَرُ
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَهَذِهِ ثِيَابِي مَكَانَهَا وَنُعِينُكَ عَلَى زَمَنِكَ الْمُنْكَرِ،
قَالَ: وَعَلَيْهِ جُبَّةُ خَزٍّ وَمِطْرَفُ خَزٍّ وَعِمَامَةُ خَزٍّ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ الْفَتَى:
وَأَنْتَ كَرِيمُ بَنِي هَاشِمٍ ... وَفِي الْبَيْتِ مِنْهَا الَّذِي نَذْكُرُ
قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَمَضَى" [1] "
-وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أَطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، وَمَعِي شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، وَأَنَا أَقُولُ إِنْ كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، وَمَسَحْتُ بِهِ وَجْهَهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ فَقُلْتُ: أَسْقِيكَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ نَعَمْ، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: آهْ، فَأَشَارَ ابْنُ عَمِّي إِلَيَّ أن أنطلق به إليه، فَجِئْتُهُ فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، فَقُلْتُ: أَسْقِيكَ، فَسَمِعَ بِهِ آخَرُ فَقَالَ: آهْ، فَأَشَارَ هشام انْطَلِقْ بِهِ إِلَيْهِ، فَجِئْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَرَجَعْتُ إِلَى هشام فَإِذَا هُوَ قد مات، فرجعت إن ابْنِ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ" [2] .رحمهم الله تعالى، أنظر كيف آثر كل منهم آخاه على نفسه بالماء وهو في الرمق الآخير وأحوج ما يكون للسقيا."
-ومن جميل ما روي في الإيثار بالنفس: أنه سُعِىَ بجماعة من الصوفية إلى بعض الخلفاء فأمر بضرب رقابهم، وفيهم أبو الحسين النوري، فبادر أبو الحسين السيَّافَ ليكون هو أول مقتول، فقيل له في ذلك، فقال: أحببتُ أن أوثرَ إخواني بالحياة في هذه اللحظة، فكان ذلك سبب نجاتهم جميعًا [3]
(1) - الإخوان لابن أبي الدنيا (رقم 223)
(2) - إحياء علوم الدين (3/ 258)
(3) - إحياء علوم الدين (2/ 173)