الصفحة 27 من 69

أن هذا المال المأخوذ من المدين المماطل تعزيرًا، لا يخلو إما أن يذهب إلى بيت المال، أو إلى الدائن، فإن ذهب إلى بيت المال كما هو الشأن في الغرامات المالية التعزيرية، فإن الغرض وهو تعويض الدائن لم يتحقق، - ولا ينفع الدائن تغريم المدين في هذه الحالة، فتبقى العقوبات الأخرى أنفع له؛ لكونها تضيق على المدين في عرضه وبدنه حتى يسدده-، وقد لا يلحق المدين ضرر من دفع الغرامة لبيت المال إن كان غنيًا، أو كان يربح من المال الذي يماطل به أكثر مما يدفعه من الغرامة.

وأما إن ذهبت إلى الدائن، فإن الأمر يؤول إلى أن تكون زيادة في دين مقابل زيادة في أجل، وهو عين ربا الجاهلية المحرم، إذ لا فرق بينهما في النتيجة (109) .

أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين المنصف والجائر، ولا بين من يؤدي الحقوق إلى أصحابها ومن يؤخرها.

ولا شك أن تأخير الحق عن صاحبه عمدًا ومطلًا بلا عذر شرعي ظلمٌ وجورٌ بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيرًا، فإذا لم يلزم المماطل بتعويض صاحب الحق عن ضرر هذا التأخير، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع الأمين العادل الذي لا يؤخر الحقوق ولا يلحق الأضرار، إذ كلاهما يؤدي مقدار الواجب فقط، بل إن ذلك يغري ويشجع المماطل على مماطلته، والجزاء الأخروي بمعاقبة هذا الظالم لا يفيد صاحب الحق المهضوم شيئًا في الدنيا، وحفظ المال مقصود للشارع، لذا جعل له ضمانات قضائية لتحصيله في الدنيا قبل الآخرة، ومنها هذا التعويض (110) .

المناقشة:

نوقش بعدم تسليم دعوى أن عدم تعويض الدائن عن ضرر المماطلة يستلزم مساواة المماطل بغيره، وأن ذلك يشجع على المماطلة، وذلك من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت