الصفحة 28 من 69

أن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر يخاف كل الخوف من الوقوع فيما حرمه الله _تعالى_ من مماطلة أهل الحقوق بغير عذر؛ لأنه ظلم للعباد يترتب عليه ما أعده الله للظالمين من عقوبة حذرت منها النصوص الشرعية، فهو ظلمات يوم القيامة، وسبب لسخط الله ونقمته على الظالم، وهو فاتح لأبواب السماء لاستجابة دعوة المظلوم على ظالمه، وهذا الوازع الإيماني هو الحامل للمؤمن والزاجر له كيلا يقع في المماطلة قبل أن تفرض عليه غرامة تعويضية للدائن (111) .

الوجه الثاني:

أنه في حال ضعف الوازع الإيماني في قلب المدين عن زجره عن الوقوع في المماطلة، فإن اقترفه للمماطلة بغير حق يصيره في حكم الشريعة ظالمًا يستحق الشكوى الفاضحة، والعقوبة الزاجرة، وهما كافيتان بردع المماطل الظالم عن ظلمه، وكفه عن المخالفة بقوة لا تعدلها أية غرامة مالية (112) .

الوجه الثالث:

أنه في حال ضعف الوازع الإيماني، وعدم وجود الرادع السلطاني المُطَبِقِ لأحكام الشريعة في المماطلين-كما يبرر بذلك من أجاز التعويض ضرورة-، فإن الواجب على أهل الأموال أن يحتاطوا بالأخذ بالجوانب التوثيقية التي تضمن حفظ حقوقهم، وذلك بعدم التوسع في عقود المداينات، وعمل الدراسات الجادة واللازمة للمشاريع الاستثمارية قبل الدخول فيها، وتقييم جدوها الاقتصادية، وأخذ الضمانات الكافية لحفظ الحق واستيفائه، كالرهن والضمان ونحوها، والتحري في المعاملة مع ذوي الأمانة والصدق والكفاءة، إذ كثيرًا ما يكون من أسباب المطل حصول التفريط في هذه الأمور.

بعد عرض القولين وأدلتهما وما ورد عليها من المناقشة والتوجيه، يتبين أن القول الأول هو الراجح، وهو عدم جواز إلزام المدين بتعويض مالي يدفعه للدائن مقابل ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلته بالوفاء بالدَّين، وذلك لما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت