المدرسة المالكية العراقية
نشأتها، خصائصها، أعلامها
إعداد
د. عبد الفتاح الزنيقي
خص الله -سبحانه وتعالى- المدينة النبوية بمزايا كثيرة، منها:
كونها مهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومستقره، ومنبع الهدى والعلم الذي عم أرجاء المعمورة.
وبعد انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، أصبحت المدينة المنورة عاصمة خلفائه الثلاثة، وازدهرت فيها المجالس العلمية، وقصدها طلاب العلم ليأخذوا منها السنة النبوية.
واستمرَّ هذا الإشعاع العلميّ في عصر التابعين مع كبارهم، وبرز منهم الفقهاء السبعة الذين واصلوا نشر العلم بين أهل المدينة، ومن جاء من طلاب العلم من الأقطار الأخرى.
في هذا الجو العلمي برزت شخصية الإمام مالك عالم دار الهجرة، الذي جمع بين الإمامة في الفقه والإمامة في الحديث. وخصه الله تعالى بمزايا كثيرة منها: أن مذهبه انتشر في حياته بالأندلس،"فقد ألزم هشام بن عبد الرحمن بن معاوية أمير الأندلس المتوفى سنة 180 هـ جميع الناس مذهب مالك [1] . وطلب الخليفة العباسي المهدي من الإمام مالك، أن يضع كتابًا يحمل الأمة عليه [2] ، وفي رواية:"أنه هم بنشر كتاب الموطأ بين الناس وحملهم على الأخذ به"."
وانتشر مذهبه في كثير من البقاع، فعم جهات مختلفة من الحجاز، وانتقل إلى العراق ومصر والقيروان والمغرب والأندلس وصقلية. وانتشر في جهات أخرى من العالم الإسلامي، فوصل إلى اليمن والشام، ودخل خراسان، وفشا بقزوين، وأبهى، وما والاها ... ودخل بلاد فارس وغيرها [3] .
إلا أن المذهب المالكي استقر بشكل قوي في بعض الأماكن وهي: المدينة والعراق ومصر والقيروان والأندلس، واستقرت في كل منطقة من هذه المناطق، مدرسة قائمة بذاتها، تنتمي في أصلها إلى المذهب
(1) ترتيب المدارك (1/ 27) .
(2) الانتقاء لابن عبد البر، ص (40 و 41) .
(3) ترتيب المدارك (1/ 24) .