الفصل الثاني
خصائص المدرسة المالكية العراقية
تميزت المدرسة المالكية العراقية بمنهجها الخاص في التفكير والاستنباط، متأثرة ببيئتها الفكرية التي تقوم على إعمال الرأي، والتمرس على الأقيسة بكل أنواعها، والميل إلى التحليل المنطقي، والاستدلال الأصولي، وذلك بإفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين وهو المنهج الذي يشار إليه"بطريقة العراقيين".
وهذا الأمر هو السبب الرئيسي في اختلاف منهج التأليف لكتب الفقه المالكي بين أصحاب المدرسة العراقية والمدارس الأخرى، فجاء منهج العراقيين قائمًا على الأدلة، بينما سار منهج الآخرين على طريقة تدوين الأسمعة الذي لم يكن ينكر أدلة المسائل.
وقد شرح المقري منهج العراقيين ومنهج غيرهم فقال:"وقد كان للقدماء -رضي الله عنهم- في تدريس المدونة اصطلاحان، اصطلاح قروي [1] ، فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوْا عليها فصول المذاهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين، وأما الاصطلاح القرويّ فهو: البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب وتصحيح الروايات، وبيان وجود الاحتمالات، والتشبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها" [2] .
يستفاد من كلام المقري (ت 1041 هـ) بعض خصائص منهج علماء المذهب المالكي بالعراق في تفريعهم للمسائل بإفراد كل مسألة بالذكر، ثم الاستدلال على كل مسألة بما لها من أدلة، سواء أدلة الكتاب والسنة أو أدلة النظر والقياس، مع تحرير هذه الأدلة على طريقة أهل الجدل والأصوليين، وهي الطريقة التي كانت شائعة عندهم، واتّبعها أصحاب المذاهب، في حِلَق دروسهم وفي مؤلفاتهم.
(1) المراد به اصطلاح أهل القيروان.
(2) أزهار الرياض في أخبار عياض: شهاب الدين أحمد بن محمد المقري (3/ 22) .