وبناءً على الثاني وهو التعريف الاصطلاحي، تميز السير العلمي في العراق عما كان عليه بالمدينة، إذ سار هؤلاء الفقهاء والأصوليون والمحدثون سيرًا جديدًا، ونهجوا نهجًا مخالفًا لما كان عليه إمام المذهب، فجاء عملهم الفقهي مزدوجًا بين أثر مالك -رضي الله عنه- ومنهج فقهاء الرأي الذي ساد المنطقة العراقية، فأعملوا عقولهم وأطلقوا العنان لتفكيرهم، لا يردهم عن ذلك إلا ما عارض مقاصد الشريعة، وجرَّ ضيقًا أو حرجًا على المكلفين. وكذا مخالفة المدرسة للمذهب في بعض المسائل الفرعية الفقهية انطلاقًا من التعليل الذي اعتمده الفقهاء، أو الدليل، أو البينة التي فرضت عليهم المخالفة.
المذهب كلمةٌ مشتقةٌ من الأصل الفعلي لذهب، وذهب لغة: سار ومشى وراح إلى حاله. وأذهب: أزال ومحا، يقال:"اللهم أذهبْ عني المرض"، أي أزلْه وامْحُهُ عني. والمذهب مفعل من الذهاب، وهو الطريق ومكان الذهاب، يقال ذهب القوم مذاهب شتى أي: ساروا في طرائق مختلفة، وذهب الشخص مذهبه سار في طريقه [1] .
أما في الاصطلاح:"فالمذهب حقيقةٌ عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية استنباطًا وترجيحًا واختيارًا [2] . ويطلق عند المتأخرين من أئمة المذاهب على ما به الفتوى فيقولون""المذهب في المسألة كذا". من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهمّ، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"الحجّ عرفة" [3] . لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد [4] .
هذا هو معنى المذهب لغة واصطلاحًا. وبه يتضح الفرق بين المدرسة والمذهب، فالمدرسة منضوية تحت المذهب، ومتفرعة عنه، فهي لا تخرج عنه في أصوله، وإنما تختلف عنه في بعض المسائل الفرعية، وفي طريقة الاحتجاج، وأيضًا في شرح مقفل غوامض المذهب، والاهتمام بالروايات المنقولة عن الإمام وتمحيصها وترجيح بعضها على بعض ... إلى غير ذلك من القضايا التي تعمل على خدمة المذهب، وليس الخروج عنه.
ثالثًا: التعريف بالقطر العراقي وتحديد موقعه وحدوده:
(1) انظر مختار الصحاح. ولسان العرب. مادة ذهب.
(2) مواهب الجليل شرح مختصر خليل. للحطاب (1/ 24) .
(3) رواه أبو داود (1949) والنسائي (2/ 45 - 46) والترمذي (1/ 168) وغيرهم.
(4) انظر شرح الزرقاني على شرح اللقاني للمختصر (ص 133) .