يتجلى الحديث عن تاريخ المدرسة المالكية بالعراق في أربعة أطوار: طور البداية والنشأة وطور التأسيس، وطور النضج والكمال، وطور الضعف والانهيار.
سبقت الإشارة إلى أن المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. كانت قبلة الوافدين لزيارة المسجد النبويّ الذي تُشدّ الرحال إليه، ثم تلقِّي العلم عن علمائها.
وكان للرحلة أثر كبير في نقل الفقه المالكي إلى العراق على يد جماعة من العلماء، سواء منهم ذوو الأصول العراقية أو الذين اتطؤوا العراق، بعد مجالستهم وسماعهم علم مالك وحملهم ما تحملوه عنه مثل: الموطأ، والسماعات، والأجوبة.
فأما الذين اشتهروا بأخذ الموطأ عن مالك مباشرة، ولهم روايات:
1 -محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة (189 هـ) روايته للموطأ مشهورة. وهو إن كان حنفي المذهب إلا أنه كان يثني على مالك كثيرًا ويذكره بين طلبته، بل يعقد له مجالس يحدث فيها بحديث مالك، ويناقش آراءه وبعض أصول مالك وألّف في ذلك كتابه:"الحجة على أهل المدينة". وكان المجلس الذي يخصه لحديث مالك يعرف استجابة تبرز في كثرة الحاضرين من أهل العراق. ذكر ابن عبد البر القرطبي في"الانتقاء"عن محمد بن الحسن الشيباني أنه كان إذا حدث عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه، حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدث عن غير مالك من شيوخ الكوفيين، لم يجئه إلا اليسير، وكان يقول:"ما أعلم أحدًا أسوأ ثناء على أصحابكم منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم علي الموضع وإذا حدثتكم عن أصحابكم -يعني الكوفيين- إنما تأتون متكارهين" [1] .
2 -عبد الله بن المبارك، المحدث الفقيه، أصله من مرو، سكن العراق، وتوفي سنة (118 هـ) بمدينة على الفرات تعرف بـ"هيثت"، روى الموطأ وتفقه على مالك [2] .
3 -عبد الرحمن بن مهدي، البصري، المحدث، المتوفى سنة (198) ، لزم مالكًا وأخذ عنه وانتفع به [3] .
4 -إسحاق بن عيسى الطباع، المتوفى سنة (215 هـ) [4] .
(1) الانتقاء (ص 25) .
(2) شجرة النور (ص 57 و 58) .
(3) المصدر السابق.
(4) تزيين الممالك (1/ 52) .