أما الإمام سحنون فقد ذكر القاضي عياض في السالف أن المذهب غلب في أيامه بإفريقية، وأشار إلى بعض مواقفه الخالدة، وهو مبادرته إلى فض حلق المخالفين المناوئين، مما هيأ للمذهب أن يستقرّ بعده في هذه الربوع، ولأصحابه أن يواصلوا خدمته ونشره.
وأصحابه من القيروان ومن الوافدين إليه يعدون بالمآت، حتى قيل: (( إنه ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بورك لسحنون في أصحابه، فإنهم كانوا أئمة بكل بلدة ) ) [1] .
ونقل ابن الحارث أن (( سحنون أيمن عالم دخل المغرب كان أصحابه مصابيح في كل بلد، عد له نحو سبعمائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمحالسته ) ) [2] .
وقد أفاض المترجمون لسحنون في سيرته، ونوهوا بجهوده في خدمة المذهب وعدوا مناقبه، وأشادوا بعدله في القضاء وإنجازاته في تنظميه وتقنين إجراءاته وتنظيم خطة الحسبة ومراقبة السوق [3] وأهم إنجاز له معتبر في دعم المدرسة وخدمة مذهبها هو الذي قام به في تأليف المدونة الكبرى.
وخلاصة قصة تأليفها كما أشار إليها شيخنا محمد الفاضل بن عاشور:
أن أسد بن الفرات وسحنون أخذا مسائل مالكية عن علي بن زياد لما رحلا إليه -وهو بتونس- من القيروان، دون أسد مدونته عن شيخه، فلاحظ سحنون (( فيما كتبه أسد نبوات أو اختلافات عما يظن أنه سمعه من على بن زياد، فحدا به ذلك إلى أن يرجع في تحقيق ما وقع له فيه الشك، وما اتهم فيه ما أخذه عن أسد بن الفرات بالاضطراب أن يرجع إلى الذي كان مسلمًا له من بين أصحاب مالك، وهو عبد الرحمن بن القاسم، فتوجه سحنون إلى مصر، وصدرت عنه المدونة التي تعتبر في الحقيقة أثر الأربعة من الرجال على التعاقب، هم: علي بن زياد المدون الأول، وأسد بن الفرات مدوِّن المدونة التي عرضها سحنون على ابن القاسم، وابن القاسم الذي صُححت لديه مدونة أسد بن الفرات (( الأسدية ) )، وسحنون الذي كتب خلاصة ما سمع من ابن القاسم، مع ما سمع من غيره من أصحاب مالك بإفريقية ومصر [4] .
وهكذا ترون أن تآزر المدرستين المالكيتين (المصرية والإفريقية) كان من آثاره الخالدة هذه المدونة الفقهية المالكية التي قام سحنون القيرواني بتحريرها وتدقيقها، ثم ضمنت لها المدرسة الإفريقية بعده الحياة والانتشار بما قام به علماؤها من جهود جليلة في خدمتها كما سنرى وشيكًا.
كانت هذه الجهود السحنونية من مظاهر التطور الذي عرفته هذه المدرسة بعد دور التأسيس والنشأة المتقدم.
(1) المرقبة العليا، للنباهي: 29
(2) معالم الإيمان: 98/ 2.
(3) ترتيب المدارك: 4/ 45 وما بعدها.
(4) المحاضرات المغربيات، للشيخ الفاضل ابن عاشور: 77، ط الدار التونسية للنشر. وانظر (محاضرات في تاريخ المذهب المالكي، لعمر الجيدي: 177.