ويسجل تاريخ المذهب في هذه المدرسة لسحنون أنه دوّن عن طريق معاصري مالك من أصحابه مشهور الفقه المالكي ما لم يدونه أحد ممن لقي مالكًا نفسه (( وعلى هذا فإن جميع المالكيين مَدينون للإمام سحنون بالفضل ومعترفون له بإحراز السبق في نشر العلم ) ). كما يقول شيخنا محمد الشيباني [1] .
ثم إن سحنونا لم يقتصر على روايات ابن القاسم [2] وأقواله، بل ضمن المدونة مجموعة من روايات أصحاب مالك مثل: أشهب [3] ، وابن وهب [4] ، وابن مهدي [5] . وابن زياد .. كما توج كثيرًا من الأحكام المالكية بالدليل من الأحاديث والآثار الصحيحة والحسنة، وإن لم يستوعب كل المسائل [6] .
ويقول الشيرازي: (( اقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون ونظر سحنون فيها نظرًا آخر، فهذّبها وبوبها، ودونها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره وذيّل أبوابها بالحديث والآثار، إلا كتبًا منها مفرقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدونة والمختلفة، وهي أصل المذهب، المرجّح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإياها اختصر مختصرهم وشرح شارحوهم، وبها مناظرتهم ومذاكرتهم ) ) [7] .
ويدلنا على مكانة المدونة في المشرق أن القاضي عبد الوهاب (ت 422 هـ) رجح مسائلها (( لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد ابن القاسم بمالك، وطول صحبته له، وأنه لم يخلط به غيره إلا في شيء يسير، ثم كون سحنون أيضًا مع ابن القاسم بهذه السبيل، مع ما كانا عليه من الفضل والعلم ) ) [8] .
(1) سحنون الفقيه المالكي، ضمن محاضرات ملتقى الإمام سحنون: 50 - 51.
(2) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري، روى عن مالك والليث وعبد العزيز بن الماجشون ومسلم بن خالد الزنجي، ورورى عن أصبغ، وكان عالمًا زاهدًا سخيًا، استمرت صحبته لمالك عشرين سنة (ت 191 هـ) . (الانتقاء: 50، تهذيب التهذيب: 6/ 252، حسن المحاضرة، 1/ 303، الديباح: 11/ 405، شذرات الذهب: 1/ 329، طبقات الشيرازي: 150، وفيات الأعيان: 3/ 129) .
(3) أشهب بن عبد العزيز بن دواد القيسي العامري المصري، فقيه ثبْت ورع، انتهت إليه رئاسة المذهب بعد ابن القاسم، صحب مالكًا وروى عن الليث والفضيل بن عياض، وأخذ عنه بنو عبد الحكم وسحنون وجماعة وخرج عنه أصحاب السنن. (ت 204 هـ) . (الانتفاء: 51، تهذيب التهذيب: 1/ 359، طبقات الشيرازي 150، ترتيب المدارك: 3/ 252، وفيات الأعيان: 1/ 238) .
(4) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري المصري، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، كان حافظًا ثقة مجتهدًا، ألف كتاب الجامع وغيره، (ت 197 هـ بمصر) (الانتقاء: 48، ترتيب المدارك: 3/ 228، وفيات الأعيان: 3/ 36) .
(5) ابن مهدي عبد الرحمن العنبري، سمع مالكًا وشعبة، وكان يذهب إلى قول مالك، وكان ثقة عالمًا بالحديث، وتوفى بالبصرة (ت 198 هـ) . (ترتيب المدارك: 3/ 202 - 209) .
(6) يعتبر الدكتور بدوي عبد الصمد أن إدخال الأحاديث والآثار في المدونة حصل به تعديل جوهري للأسدية وأرضى علماء إفريقية مستدلًا بما جاء في (المدارك: 298/ 3) ويلاحظ (( أن القدر الذي أدخله سحنون في المدونة من الأحاديث والآثار بقصد الاحتجاج به لم يكن شاملًا لكل مسائلها ... فهو ليس كافيًا لأن يؤثر في تحويل منهج التأليف في اتجاه منهج التأصيل والتدليل ولكنه سن الاقتداء بمنهج الإمام في الموطأ ) ). (الإتحاف بتخريج أحاديث الإشراف:1/ 44)
(7) نقلًا عن ترتيب المدارك: 3/ 199.
(8) ترتيب المدارك: 3/ 246