فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 49

أما صدى المدونة عند المدرسة الأندلسية فيعبر عنه القاضي أبو الوليد ابن رشد (ت 520 هـ) بقوله: (( هي أصل المالكيين، وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك -رحمه الله تعالى- ويروى أنه ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك -رحمه الله تعالى- ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه من المدونة ) ).

والمدونة هي عند أهل الفقه، بمنزله كتاب سيبوبه عند أهل النحو، وكتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه، موضع أم القرآن من الصلاة تجزئ عن غيرها ولا يجزئ عنها غيرها )) [1]

وهكذا يكون لسحنون الأثر الواضح في خدمة المذهب عامة وفي تطوير مدرسته الإفريقية خاصة.

وقد واصلت الطبقة العريضة من تلاميذ الإمام سحنون خدمة المذهب وتناقلت ما أثر عنه من الأقوال والآراء التي تمخضت عن اجتهاده أو كانت ثمرة اختباره وترجيحه [2] تلك الأقاويل والآراء التي ما زالت في ثنايا الكتب الفقهية تشهد بمدى إثرائه لفروع المذهب.

واصل تلاميذه أداء الرسالة العلمية بعده، وكان من أبرزهم ابنه محمد [3] الذي أسهم بنصيب وافر في حركة تطوير هذه المدرسة وكان له اثر مهمّ في تيارها الفقهي، وتعددت مؤلفاته المتناولة لفنون مختلفة في مقدمتها علوم الفقه حيث ألف كتابه الكبير الموسوم بـ (الجامع) الذي قال عنه محمد بن عبد الحكم: (هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحًا) [4] ، وتناولت بعض كتبه مناصرة مذهبه مثل كتاب الجوابات الذي رد فيه على أهل العراق وعلى الإمام الشافعي.

توفي محمد بن سحنون الإمام ابن الإمام تاركًا ثروة فقهية تضمنتها كتبه العديدة، ونهض بتبليغها بعده طبقة تلاميذه ومن أدركه من طبقة تلاميذ أبيه، كانت وفاته سنة (ت 256 هـ) [5] . وما وصلنا إلا كتابان، وهما:

(( آداب المعلمين ) )، وهو كتاب صغير الحجم حُقّق ونشر أكثر من مرة [6] ، ولقي عناية بعض رجال التربية والتعليم في عصرنا [7] باعتباره يرسم منهجًا تربويًا إسلاميا، ويوضح بعض أحكام المعلمين والمتعلمين ويتحدث عن علاقة كل طرف بالآخر، وكذلك يعرض بعض واجبات الأولياء.

(( الأجوبة ) )، وهو كتاب في جزء، حققه ونشره صاحب دار سحنون بتونس من سنتين تقريبًا، هو من صنف كتب الفتاوى والنوازل، وهو من أوائلها في المذهب، جمعة أحد تلاميذ ابن سحنون أجوبة شيخه فيما سئل عنه، ثم نقحه

(1) المقدمات الممهدات: 44 - 45/ 1 وقد اشتهرت المدرسة الإفريقية المالكية بطريقة في دراسة المدونة تختلف عن الطريقة العراقية، تحدث عنها المقري في (أزهار الرياض: 3/ 22) : (( ومنهج المدرسة القيروانية يعتمد تصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات مع تتبع الآثار وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع ) )انظر: (أعلام الفكر الإسلامي، للشيخ ابن عاشور: 61) .

(2) تحدثنا عن أثر الإمام سحنون في المدرسة المالكية الأندلسية وعن وثيق صلته بطلبتها وانتشار مدونته فيها ضمن بحثنا الموسوم. بـ (( علاقة الإمام سحنون بالأندلس ) )المنشور في كتاب (محاضرات ملتقى الإمام سحنون: 145 وما بعدها) .

(3) له ترجمة موسعة في رياض النفوس: 433/ 1 وما بعدها وبالهامش لائحة بمصادر ترجمته.

(4) ترتيب المدارك: 4/ 206.

(5) رياض النفوس: 444/ 1.

(6) اعتنى بهذا الكتاب حسن حسني عبد الوهاب، والعروسي المطوي، ومحمود عبد المولى.

(7) ألف عبد الرحمن عثمان حجازي كتابًا بعنوان (( المذهب التربوي عند ابن سحنون رائد التأليف التربوي الإسلامي ) )ونشرته مؤسسة الرسالة ببروت سنة 1986.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت