الحجاز أميل لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضًا عندهم، ولم يأخذهم تنقيح الحضارة وتهذيبها، كما وقع في غيره من المذاهب.
ولما صار مذهب كل إمام علمًا مخصوصًا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس -احتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم.
وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة واتباع مذهب إمامهم فيها ما استطاعوا، وهذه الملكة هي علم الفقه في العهد. وأهل المغرب جميعًا مقلدون لمالك -رحمه الله- [1] .
ولم يُسلم لابن خلدون بعض الباحثين ما ذهب إليه، وممن عارضه وفند رأيه الشيخ محمد أبو زهرة الذي نفى البداوة عن المدينة في العهد الأموي كما نفاها عن البيئة الإفريقية المغربية [2] وكان شيخنا أحمد بن ميلاد [3] معارضا له أيضًا، وقد ناقش رأيه في المحاضرات التي أخذناها عنه، وكان يصوب رأي أبي زهرة ويستشهد به.
أما الأستاذ علي عبد الواحد وافي [4] ، فهو يقتنع برأي ابن خلدون، ويؤول كلامه تاويلًا يبتعد عن فهم الشيخ أبي زهرة.
(1) المقدمة: 1054 - 1056 تحقيق علي عبد الواحد ولفي، ط دار النهضة، مصر.
(2) مالك حياته وعصره لأبي زهرة: 260 - 363 ط دار الفكر العربي.
(3) كان -رحمه الله- من أبرز مشيخة الزيتونة، أفادنا بدروسه في العامين الجامعيين: 1963 - 1964 و 1964 - 1965.
(4) انظر: المقدمة: 1055 - الهامش.