قال الحافظ: قَالَ عِيَاض: وَالأَكْل بِأَكْثَر مِنْهَا مِنْ الشَّرَه وَسُوء الأَدَب وَتَكْبِير اللُّقْمَة , وَلأَنَّهُ غَيْر مُضْطَرّ إِلَى ذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَة وَإِمْسَاكهَا مِنْ جِهَاتهَا الثَّلاث , فَإِنْ اِضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَام وَعَدَم تَلْفِيفه بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَة
عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مِنْ الطَّعَامِ فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا ) ) [1]
قال الحافظ: قَوْله (حَتَّى يَلْعَقهَا) أَيْ يَلْعَقهَا هُوَ (أَوْ يُلْعِقهَا) أَيْ يَلْعَقهَا غَيْره , قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُرَاد إِلْعَاق غَيْره مِمَّنْ لَا يَتَقَذَّر ذَلِكَ مِنْ زَوْجَة وَجَارِيَة وَخَادِم وَوَلَد , وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ كَتِلْمِيذٍ يَعْتَقِد الْبَرَكَة بِلَعْقِهَا , وَكَذَا لَوْ أَلْعَقهَا شَاة وَنَحْوهَا.
قال النووي: فيه اِسْتِحْبَاب لَعْق الْيَد مُحَافَظَة عَلَى بَرَكَة الطَّعَام وَتَنْظِيفًا لَهَا , وَكَرَاهَة مَسْح الْيَد قَبْل لَعْقهَا، وَاسْتِحْبَاب الأَكْل بِثَلاثِ أَصَابِع. [2]
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاثِ بِالإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى. [3]
قال الحافظ: وَفِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْق الأَصَابِع اِسْتِقْذَارًا , نَعَمْ يَحْصُل ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاء الأَكْل لأَنَّهُ يُعِيد أَصَابِعه فِي الطَّعَام وَعَلَيْهَا أَثَر رِيقه , قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَابَ قَوْم أَفْسَدَ عَقْلهمْ التَّرَفُّه فَزَعَمُوا أَنَّ لَعْق الأَصَابِع مُسْتَقْبَح , كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الطَّعَام الَّذِي عَلِقَ بِالأَصَابِعِ أَوْ الصَّحْفَة جُزْء مِنْ أَجْزَاء مَا أَكَلُوهُ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَائِر أَجْزَائِهِ مُسْتَقْذَرًا لَمْ يَكُنْ الْجُزْء الْيَسِير مِنْهُ مُسْتَقْذَرًا, وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْبَر مِنْ مَصّه أَصَابِعه بِبَاطِنِ شَفَتَيْهِ. وَلا يَشُكّ عَاقِل فِي أَنْ لا بَأْس بِذَلِكَ, فَقَدْ يُمَضْمِض الإِنْسَان فَيُدْخِل إِصْبَعه فِي فِيهِ فَيُدَلِّك أَسْنَانه وَبَاطِن فَمه ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَد إِنَّ ذَلِكَ قَذَارَة أَوْ سُوء أَدَب
وَحَدِيث الْبَاب يَقْتَضِي مَنْع الْغَسْل وَالْمَسْح بِغَيْرِ لَعْق لأَنَّهُ صَرِيح فِي الأَمْر بِاللَّعْقِ دُونهمَا تَحْصِيلًا لِلْبَرَكَةِ , نَعَمْ قَدْ يَتَعَيَّن النَّدْب إِلَى الْغَسْل بَعْد اللَّعْق لإِزَالَةِ الرَّائِحَة.
وَفِيهِ الْمُحَافَظَة عَلَى عَدَم إِهْمَال شَيْء مِنْ فَضْل اللَّه كَالْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوب وَإِنْ كَانَ تَافِهًا حَقِيرًا فِي الْعُرْف.
وَقَعَ فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي"الأَوْسَط"صِفَة لَعْق الأَصَابِع وَلَفْظه"رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل بِأَصَابِعِهِ الثَّلاث: بِالْإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى , ثُمَّ رَأَيْته يَلْعَق أَصَابِعه الثَّلاث قَبْل أَنْ يَمْسَحهَا: الْوُسْطَى , ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا , ثُمَّ الإِبْهَام."
وقد بوب البخاري بابًا سماه: بَاب لَعْقِ الأَصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبْلَ أَنْ تُمْسَحَ بِالْمِنْدِيلِ.
قال الحافظ: وَأَمَّا قَوْله فِي التَّرْجَمَة"وَمَصّهَا"فَيُشِير إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه عَنْ جَابِر أَيْضًا , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ رِوَايَة أَبِي سُفْيَان عَنْهُ بِلَفْظِ"إِذَا طَعِمَ أَحَدكُمْ فَلا يَمْسَح يَده حَتَّى يَمُصّهَا"ا. هـ
قلت وقد رواه الإمام أحمد أيضًا في مسنده.
(1) رواه البخاري في الأطعمة (5456) ، ومسلم في الأشربة باب استحباب لعق الأصابع (3788) ، وأبو داود في الأطعمة (3349) ، وابن ماجه في الأطعمة (3260) ، وأحمد (1823) والدارمي في الأطعمة (1940) .
(2) شرح مسلم.
(3) تحفة الأحوذي.