كَمَال الْخُشُوع , وَهَذِهِ الْكَرَاهَة عِنْد جُمْهُور أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ إِذَا صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْت سَعَة , فَإِذَا ضَاقَ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ تَطَهَّرَ خَرَجَ وَقْت الصَّلاة صَلَّى عَلَى حَاله مُحَافَظَة عَلَى حُرْمَة الْوَقْت , وَلا يَجُوز تَأْخِيرهَا.
وَحَكَى أَبُو سَعْد الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابنَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لا يُصَلِّي بِحَالِهِ , بَلْ يَأْكُل وَيَتَوَضَّأ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْت ; لأَنَّ مَقْصُود الصَّلاة الْخُشُوع فَلا يَفُوتهُ , وَإِذَا صَلَّى عَلَى حَاله وَفِي الْوَقْت سَعَة فَقَدْ اِرْتَكَبَ الْمَكْرُوه وَصَلاته صَحِيحَة عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور
(وَلا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغ مِنْهُ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَأْكُل حَاجَته مِنْ الأَكْل بِكَمَالِهِ , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ بَعْض أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ يَأْكُل لُقَمًا يَكْسِر بِهَا شِدَّة الْجُوع فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. [1]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلا تَرَكَهُ ) ) [2]
وعنه (( وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ ) ) [3]
(مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ) قَالَ الْحَافِظُ أَيْ مُبَاحًا أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ لَمْ يُكْرَهْ ; لأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الآدَمِيِّينَ تُعَابُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ التَّعْمِيمُ فَإِنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ الصَّانِعِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَنْ لا يُعَابَ كَقَوْلِهِ مَالِحٌ حَامِضٌ قَلِيل الْمِلْحِ غَلِيظٌ رَقِيقٌ غَيْرُ نَاضِجٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ
(وَإِلا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ (تَرَكَهُ) يَعْنِي مِثْلُ مَا وَقَعَ لَهُ فِي الضَّبِّ. قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ لأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيه غَيْرُهُ , وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ. [4]
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: (( أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي فَلا أَدْرِي قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى
(1) شرح مسلم.
(2) رواه البخاري في المناقب باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - (3563) ، ومسلم في الأشربة (3844) ، والترمذي في البر والصلة (1954) ، وأبو داود في الأطعمة (3271) ، وابن ماجه في الأطعمة (3250) ,أحمد (9142)
(3) رواه البخاري في الأطعمة باب ما عاب - صلى الله عليه وسلم - طعامًا (5409) .
(4) تحفة الأحوذي.