ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّة مَرَّة وَطَافَ عَلَى بَعِير مَعَ أَنَّ الإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْوُضُوء ثَلاثًا وَالطَّوَاف مَاشِيًا أَكْمَل , وَنَظَائِر هَذَا غَيْر مُنْحَصِرَة , فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَبِّه عَلَى جَوَاز الشَّيْء مَرَّة أَوْ مَرَّات , وَيُوَاظِب عَلَى الأَفْضَل مِنْهُ , وَهَكَذَا كَانَ أَكْثَر وُضُوئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاث ثَلاثًا , وَأَكْثَر طَوَافه مَاشِيًا , وَأَكْثَر شُرْبه جَالِسًا , وَهَذَا وَاضِح لا يَتَشَكَّك فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى نِسْبَة إِلَى عِلْم. وَاللَّهُ أَعْلَم. [1]
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ) ) [2]
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: (( أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَطَشٌ قَالَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فَجَعَلَ يَسْقِي أَصْحَابَهُ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ اشْرَبْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ حَتَّى سَقَاهُمْ كُلَّهُمْ ) ) [3]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِمَنْ تَوَلَّى سِقَايَةَ قَوْمٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الشُّرْبِ حَتَّى يَفْرُغُوا عَنْ آخِرِهِمْ ,
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ إِصْلاحِهِمْ عَلَى مَا يَخُصُّ نَفْسَهُ , وَأَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ إِصْلاحَ حَالِهِمْ وَجَرَّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِمْ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ , وَالنَّظَرَ لَهُمْ فِي دِقِّ أُمُورِهِمْ وَجِلِّهَا , وَتَقْدِيمَ مَصْلَحَتِهِمْ عَلَى مَصْلَحَتِهِ , وَكَذَا مَنْ يُفَرِّقُ عَلَى الْقَوْمِ فَاكِهَةً فَيَبْدَأُ بِسَقْيِ كَبِيرِ الْقَوْمِ أَوْ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى آخِرِهِمْ وَمَا بَقِيَ شُرْبُهُ. وَلا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ:"اِبْدَأْ بِنَفْسِك"لأَنَّ ذَاكَ عَامٌّ وَهَذَا خَاصٌّ , فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ. [4]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: (( أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ يَا غُلامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ قَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ) ) [5]
(1) شرح مسلم.
(2) رواه الترمذي في الأشربة باب ما جاء أن ساقي القوم آخرهم (1816) وقال حديث حسن صحيح، والحديث أصله في مسلم في قصة طويلة في كتاب المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة (1099) ، ورواه ابن ماجه في الأشربة (3425) ، وأحمد (21506) ، والدارمي في الأشربة (2042) .
(3) رواه أحمد (18597) ، وأبو داود في الأشربة (3237) ، وقال المنذري رجال إسناده ثقات.
(4) تحفة الأحوذي.
(5) رواه البخاري في المساقاة باب في الشرب (2351) ، ومسلم في الأشربة (3786) ، وأحمد (21758) ، ومالك في الجامع (1724) .