الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة, ويتولد منه الأمراض المختلفة, فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) .
قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة.
وقال:"ولا تسرفوا"أي في كثرة الأكل, وعنه يكون كثرة الشرب, وذلك يثقل المعدة, ويثبط الإنسان عن خدمة ربه, والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه, وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشى ; فقال: (اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة) . فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا, وكان إذا تغدى لا يتعشى, وإذا تعشى لا يتغدى. قلت: وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام: (المؤمن يأكل في معى واحد) أي التام الإيمان; لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده; فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم.
وقال ابن زيد: معنى"ولا تسرفوا"لا تأكلوا حراما.
وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع, فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: بشم! فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه.
وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم, ويكتفون باليسير من الطعام, ويطوفون عراة. فقيل لهم:"خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم.
عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ )) [1]
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً ) ) [2]
قَوْله (فَلْيَأْكُلْ) أَيْ مَا سَقَطَ
(1) رواه البخاري في البيوع (2212) ، مسلم في التفسير (5340) ،
(2) رواه ابن ماجه في التجارات (2292) ، وصححه الألباني، والترمذي في البيوع (1208) .