فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 109

فصل

في هديه - صلى الله عليه وسلم - في معالجة المرضى بترك إعطائهم

ما يكرهونه من الطعام والشراب، وأنهم لا يكرهون

على تناولها

روى الترمذي في"جامعه"، وابن ماجة، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم" [1] .

قال بعض فضلاء الأطباء: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية، لاسيما للأطباء، ولمن يعالج المرضى، وذلك أن المريض إذا عاف الطعام أو الشراب، فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته، أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها، وكيفما كان، فلا يجوز حينئذ إعطاء الغذاء في هذه الحالة.

واعلم أن الجوع إنما هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها، فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهي الجذب إلى المعدة، فيحس الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء، وإذا وجد المرض، اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء، أو الشراب، فإذا أكره المريض على استعمال شيء من ذلك، تعطلت به الطبيعة عن فعلها، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إيضاح مادة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببًا لضرر المريض، ولاسيما في أوقات البحران [2] ، أو ضعف الحار الغريزي أو خموده فيكون ذلك زيادة في البلية، وتعجيل النازلة المتوقعة، ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعة ألبتة، وذلك يكون بما لطف قوامه من الأشربة والأغذية، واعتدل مزاجه كشراب اللينوفر [3] ، والتفاح، والورد الطري، وما أشبه ذلك، ومن الأغذية مرق الفراريج المعتدلة الطيبة فقط، وإنعاش قواه بالأراييح العطرة الموافقة، والأخبار السارة، فإن الطبيب خادم الطبيعة، ومعينها لا معيقها.

واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن، وأن البلغم دم فج

(1) حديث قوي أخرجه الترمذي (2041) وبن ماجة (3444) وفي سنده بكر بن يونس بن بكير، وهو ضعيف، لكن يشهد له حديث عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم 4/ 410، وحديث جابر بن عبد الله عند أبي نعيم في"الحلية"10/ 50، 51 وسنده حسن في الشواهد. وقد قال الدكتور الأزهري: ومعظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض للطعام، وإطعام المريض غصبًا في هذه الحالة يعود عليه بالضرر، لعدم قيام الجهاز الهضمي لعمله كما يجب مما يتبعه عسر هضم، وسوء حالة المريض.

(2) بضم فسكون: التغير الذي يحدث دفعة في الأمراض الحادة.

(3) في"التذكرة"الأشهر في تقديم النون، وقال فيه: فارسي معناه، ذو الأجنحة، وهو نبت مائي له أصل كالجزر، وساق أملس يطول سجفه عمق الماء فإذا سوى سطحه، أورق وأزهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت