فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 109

فصل

في هديه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ الصحة

لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة للحرارة، فالرطوبة مادته، والحرارة تنضجها، وتدفع فضلاتها، وتصلحها، وتلطفها، وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه، وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة، فلولا الرطوبة، لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته، فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها، وقوام البدن بهما جميعًا. وكل منهما مادة للأخرى، فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة، والرطوبة مادة للحرارة تغذوها وتحملها، ومتى مالت إحداهما إلى الزيادة على الأخرى، حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب ذلك، فالحرارة دائمًا تحلل الرطوبة، فيحتاج البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة - لضرورة بقائه - وهو الطعام والشراب، ومتى زاد على مقدار التحلل، ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، فاستحالت مواد رديئة، فعاثت في البدن، وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها، وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: {وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا، وكلاهما مانع من الصحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت