بعد استعراض الأدلة التي استدل بها الفقهاء على كون أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ يظهر لي ما يلي:
1 -دلالة القرآن الكريم على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ليست دلالة قطعية؛ فلم تنص آية من الآيات على أن مدة الحمل ستة أشهر، بل مجموع الآيتين المستدل بهما يفيد عن طريق دلالة الإشارة [1] أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر، وليس فيهما ما يدل على منع كونها أقل من ذلك؛ فقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) يفيد أن الحمل والفصال -أي: الرضاع- مدتهما ثلاثون شهرًا، وقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) يدل على أن مدة الرضاعة لمن أراد أن يتمها سنتان، لكن ليس في هذه الآية ما يمنع زيادة مدة الرضاعة على السنتين، وجواز زيادة الرضاع على السنتين هو إحدى الروايتين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وقول بعض العلماء [2] .
2 -الإجماع المذكور على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، يظهر لي بعد تأمله أنه إجماع على أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر، وليس فيه ما يدل على أن أقل مدة الحمل لا تكون إلا ستة أشهر؛ ومما يؤكد ذلك: رواية مالك عن علي السابق ذكرها:"الحمل يكون ستة أشهر"، ويؤكده كذلك وقائع القصة التي حدثت في عهد عمر وعثمان، وهي ولادة امرأة حملًا استمر ستة أشهر، وأخذ فيها عمر وعثمان بقول علي وابن عباس، ففيها: أن المرأة ولدت لستة أشهر، والصحابة أقروا بصحة نسب ولدها من زوجها، ولم يصرح أحد منهم -فيما اطلعت عليه من روايات- بأن أقل مدة الحمل لا تقل عن ستة أشهر، إلى جانب أن هذا النوع من الإجماع -على فرض أنهم أجمعوا على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر- إجماع سكوتي، والإجماع السكوتي مختلف فيه بين الأصوليين:
(1) قال محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-"وضابط دلالة الإشارة هي أن يساق النص لمعنى مقصود؛ فيلزم من ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزوما لا ينفك .... فدلت الآيتان دلالة الإشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر .... ومعلوم في الأصول أن دلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء، والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل المفهوم".
أضواء البيان ج 4 ص 443 - 444، وانظر: الآمدي- الإحكام في أصول الأحكام ج 3 ص 72 - 73، الزركشي- البحر المحيط ج 3 ص 89 - 90.
(2) الرازي- التفسير الكبير ج 6 ص 105.