ومنها: أن الله تعالى ييسر لطالب العلم الذى يطلبه للعمل به علومًا أخر ينتفع بها، فيكون طريقًا موصلًا إلى الجنة، وهذا كما قيل: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.
ومنها: أن الله تعالى قد ييسر لطالب العلم الانتفاع به في الآخرة، وسلوك الطريق الحسنى المفضى إلى الجنة وهو الصراط وما بعده، وما قبله من الأهوال العظيمة والعقبات الشديدة الشاقة [1] .
وقال ابن القيم: وقوله: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض يصلون على معلم الناس الخير) لما كان تعليمه للناس الخير سببًا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم جازاه الله من جنس عمله بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل الأرض مايكون سببًا لنجاته وسعادته وفلاحه.
وأيضًا فإن معلم الناس الخير لما كان مظهرًا لدين الرب وأحكامه ومعرفًا لهم بأسمائه وصفاته جعل الله من صلاة أهل سماواته عليه ما يكون تنويهًا به، وتشريفًا له، وإظهارًا للثناء عليه بيّن وصلاة أهل السماوات والأرض [2] .
وقال ابن عباس رضى الله عنهما: علماء هذه الأمة رجلان؛ فرجل أعطاه الله علمًا فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفدًا ولم يشترى به ثمنًا أولئك يصلى عليهم طير السماء وحيتان البحر ودواب الأرض والكرام الكاتبون، ورجل آتاه الله علمًا فضن به عن عباده وأخذ به صفدًا واشترى به ثمنًا فذلك يأتى يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار [3] .
وقال ابن رجب الحنبلي: قوله صلى الله عليه وسلم (وإن العلماء ورثة الأنبياء) :
يعنى أنهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العلم، فخلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهى عن معاصى الله والذب عن دينه [4] .
وقال أيضًا: فقوله صلى الله عليه وسلم: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم) فيه إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن العالم الذى هو وارث للرسول حقيقة، كما أنه ورث علمه فينبغى أن يورثه كما ورث الرسول العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده.
(1) - رسالة ورثة الأنبياء شرح حديث أبى الدر داء - للإمام ابن رجب الحنبلي مطبوعة ضمن مجموع رسائله ج 2 ص 284 وما بعدها طبعة مكتبة أولاد الشيخ للتراث بالقاهرة.
(2) - مفتاح دار السعادة: 70.
(3) - المرجع السابق: نفس الصفحة.
(4) - ورثة الأنبياء شرح حديث أبى الدرداء: 323 ومابعدها.