الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى عندما بعث نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين القويم الذي أخرج البشرية من الظلمات إلى النور، وكان الناس إذ ذاك يهيمون في ظلمات الجهل والضلال، غارقين في بحر الخرافات والتقاليد البالية التي ورثوها عن آبائهم وأسلافهم في جميع أمورهم، في المعتقدات والعبادات والتقاضي والمحاكمات، فكانت معتقداتهم وعباداتهم قائمة على الشرك بالله سبحانه وتعالى، فجعلوا له شركاء وأندادًا، من شجر وحجر وملائكة وجن وبشر وغير ذلك، يتقربون إليهم بشتى أنواع القرب التي لا يجوز صرفها لغير الله، كالذبح والنذر .. الخ.
أما التقاضي والمحاكمات فهي لا تقل ضلالًا وفسادًا عن طريقتهم في العبادة، إذ كانوا ينصبون الطواغيت والكهان والعرافين، يتولون القضاء بين الناس في جميع ما ينشأ بينهم من خلافٍ وخصومةٍ في الأموال والدماء والفروج وغير ذلك، يقيمون في كل حيٍ واحدًا من هؤلاء الطواغيت، وإذا صدر الحكم فهو نافذ لا يقبل النقض ولا التعقيب، على الرغم من كونه جائرًا ظالمًا، فلما بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الشريعة المطهرة أبطل هذه العادات والتقاليد، وقضى عليها وقصر العبادة على الله سبحانه وتعالى، وقصر التقاضي والتحاكم على شرع الله، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [1] الآية.
وبعد ذلك، ظهر انحراف جماعاتٍ من الناس بالعدول عن تحكيم شرع الله واستبداله بأحكام البشر، ضاربين بكتاب الله وسنة رسوله
(1) يوسف:40