ويكتبونه في الألواح، وكان عدد كتّاب الوحي ما يقارب الأربعين كاتبًا، وتم تناقله بالتواتر حتى تم جمعه وتدوينه. وكان التواتر هو السبب الذي من خلاله حفظ الله تعالى هذا القرآن من الزيادة والنقصان، لقوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ) [1] .
5 -أن القرآن الكريم يُتعبد بتلاوته: وهذه خاصية فريدة من خصائص هذا الكتاب العظيم ودافع كبير لإقبال الناس على حفظه وتلاوته وتدارسه، حيث إن تلاوته عبادة يترتب عليه الأجر والمثوبة من عند الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» [2] .
ويقول عليه الصلاة والسلام: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» البخاري ومسلم.
ولا تصح الصلاة إلا بتلاوة القرآن الكريم فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» [3] .
6 -أن القرآن الكريم هو المكتوب في المصاحف: حيث كتبه كتّاب الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم جمع ألواحه أبو بكر رضي الله عنه ثم نسخه عثمان رضي الله عنه في عدة مصاحف ونشرها بين المسلمين في البقاع المتفرقة.
7 -أن القرآن الكريم يبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وهذا التحديد مهم حتى لا تختلط به الأدعية وغيرها مما يكتب في العادة في نهاية المصاحف، مع ملاحظة أن ترتيب السور الصورة التي هو عليها إنما هو ترتيب توقيفي من الله تعالى أوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل عليه السلام.
8 -أن القرآن الكريم كلام معجز بلفظه وبلاغته، ومعجز بأحكامه وتشريعاته، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز بغيبياته وحقائقه المستقبلية، بل هو معجز بكل حرف وكل كلمة، والمقام يطول بالحديث عن جميع صور الإعجاز في هذا المصدر الرباني، ولكن هناك بعض الصور التي يتجلى فيها الإعجاز جليًا لكل الناس، والتي تدل على أن هذا المصدر هو من عند الله تعالى، وليس لأحد أن يأتي بشي من مثله أبدًا، ومن بعض هذه الصور والوجوه ما يلي:
أ- فصاحة القرآن وبلاغته وتأثيرها على النفس: حيث تميز هذا المصدر ببلاغة قوية في العبارات وفصاحة في الألفاظ وتناسق في المعاني، من غير ركاكة في اللغة أو ضعف في الجمل، رغم كثرة آياته التي تزيد على ستة آلاف وستمائة آية، ورغم الامتداد الزمني الذي نزلت فيه هذه الآيات وهي ثلاثة وعشرون عامًا، من أجل ذلك تحدى البشر جميعًا على أن يأتوأ بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، يقول الله تعالى: (( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) ) [4] .
ثم تحداهم على أن يأتوا بعشر سور مثله، يقول الله تعالى: (( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [5] .
بل تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، يقول تبارك شأنه: (( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) ) [6] . ويقول في موضع آخر: (( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) ) [7] .
وقد كان تأثير هذه البلاغة والفصاحة سبب في إسلام عمر رضي الله عنه عندما قرأت عليه سورة طه في بيت أخته.
ومعلوم قول الوليد بن المغيرة في القرآن الكريم بعد أن رجع إلى كفار قريش من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» [8] .
(1) سورة الحجر، الآية 9.
(2) جامع الترمذي، برقم 2910، ص654.
(3) رواه الستة وأحمد، واللفظ للبخاري في صحيحه، برقم756، ص123.
(4) سورة الإسراء، الآية 88.
(5) سورة هود، الآيتان 13 - 14.
(6) سورة يونس، الآية 38.
(7) سورة البقرة، الآية 23.
(8) أخرجه الحاكم وصححه، وأخرجه البيهقي.