الصفحة 43 من 53

إن منهج التلقي من مصادره الأصلية قد يصيبه خلل أو يعتريه انحراف فيخرجه عن مساره ويؤدي بمتبعه إلى مصادر أخرى غير المتفق عليها، ومعلوم ما لهذا الأمر من خطر كبير يهدد أصول الدين وثوابته، ولعلنا نذكر بعض المظاهر التي تؤدي إلى الخلل في منهج التلقي، وهي:

أولًا: الخلط بين مصادر التلقي وغيرها:

إن التلقي الصحيح هو الذي انتهجه سلف هذه الأمة في عصورها الأولى وتبعهم في ذلك المتأخرون من العلماء والمجتهدين، ولم يخرجوا عن ضوابط التلقي الذي حددها السلف، كما أشير إليها سابقًا في توثيق السنة والشروط والمواصفات الدقيقة التي ينبغي أن تتصف بها الرواية حتى يؤخذ بها، ولكن ظهرت مع هذا المنهج الصحيح مناهج أخرى اعتمدت على مصادر أخرى لتلقي التشريع وأحكام الدين، حتى صارت عندهم بمثابة مصادر أصلية لها الأولوية في أخذ العلم والتشريع منها، ومن هذه المصادر على سبيل المثال لا الحصر ما اعتمدته الصوفية التي ألبست المصادر الحقيقية من الكتاب والسنة غطاء وجدانيًا وفلسفيًا انحرفت بها عن الصراط السوي، وأودت بها إلى الشرك والتضليل، ومن بين هذه المصادر ما يلي:

-الكشف: «هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا أو شهودًا» [1] .

-الذوق: «هو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب» [2] .

-الوجد: «رفع الحجاب، ومشاهدة الرقيب، وحضور الفهم، وملاحظة الغيب، ومحادثة السر، وإيناس المفقود، وهو فناؤك من حيث أنت» [3] .

-البصيرة: هي الملكة التي ترى حقائق الأشياء وبواطنها، كما يرى البصر ظواهر الأشياء المادية،

(1) التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ط 1، بيروت: دار الكتب العلمية، ص 184.

(2) معجم مصطلحات الصوفية، عبدالمنعم الحفني، ص 104.

(3) اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي، ص 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت