ولا عاصم للعالم من الجَوْر الواقع عليه ولا ملاذ من المستقبل القاتم الذي يهدد مقوماته، إلا بهذا القرآن الذي يعالج معاناة البشرية في جميع صورها، الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والروحية، حيث تذوب في ظلاله الطبقيات والأعراق والإقليميات وجميع الاعتبارات الجاهلية، لأنه الذي أرسى هذه المعالم الإنسانية في الحياة منذ نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، تحت راية هذه الآية الربانية الخالدة (( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ) [1] .
كان تلقي القرآن الكريم وفهم آياته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يؤخذ منه مشافهة، حيث لا يزال عليه الصلاة والسلام يعيش بين ظهراني الأمة، يرجع إليه الناس فيما يشكل عليهم من الأمور وما تستجد عليهم من الأحداث، فسرعان ما يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأحداث ويجدون الحكم الفاصل لهم.
ولكن اختلف هذا المنهج وتغير معالمه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما بعد الفتوحات الإسلامية الواسعة ودخول غير العرب في دين الله، فأصبح منهج التلقي من القرآن أشد صعوبة من سابقتها، حيث وضع علماء الأمة من السلف ضوابط وشروطًا في هذا المنهج، تفاديًا للانحراف ودخول الأهواء في تفسير كتاب الله ومعاني آياته، فوضعوا أربع طرق يتبعها المختصون من علماء الأمة في التفسير والتلقي الصحيح حسب تسلسلها، وهي:
1 -تفسير القرآن بالقرآن:
وهذه هي الخطوة الأولى التي يجب على المتلقي والمفسر لكتاب الله أن يخطوها قبل أن ينتقل إلى غيرها، وذلك أن النص القرآني يأتي بصور متعددة، وأنه يدل بعضه على بعض، فأحيانًا يأتي النص مجملًا في موضع ثم يأتي مبينًا ومفصلًا في موضع آخر، أو يأتي مطلقًا في موضع ثم يأتي مقيدًا في موضع آخر، وكذلك في الخاص والعام، ومن أجل ذلك ينبغي على المتلقي أن يكون مطلعًا على نصوص القرآن ودلالاتها ومواضع ردودها حتى يصبح ملمًا بالموضوع من كافة جوانبه ثم يبدأ بالتفسير والتلقي الصحيح، فعلى سبيل المثال جاء في القرآن الكريم عن لحوم بهيمة الأنعام مجملًا وموجزًا كما في قوله تعالى: (( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا
(1) سورة الحجرات، الآية 13.