العقل هو أداة الإدراك والفهم لدى الإنسان، يتوصل من خلاله إلى مجاهيل المعرفة عن طريق التجربة والملاحظة.
ويمكن أن نحدد العلاقة الحقيقية بين العقل الإنساني ومصادر التلقي السابقة من خلال محورين مهمين، هما:
أولًا: معالم تكريم العقل في مصادر التلقي:
هناك معالم كثيرة ومظاهر مختلفة تبين قيمة العقل في الإسلام وتكريمه له، ولعل من أهم تلك المظاهر ما يلي:
1 -مدح الله تعالى أصحاب العقول والألباب في مواضع كثيرة في كتابه العزيز، كما في قوله: (( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ) [1] . وقوله تعالى: (( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ ) ) [2] .
2 -من أهم مظاهر التكريم للعقل أن الله تعالى جعله مناط تكليف الإنسان ومحاسبته، لأن فاقد العقل هو فاقد الأهلية وهو غير محاسب على أفعاله وأقواله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل» [3] وهذا يدل على مدى عظم شأن العقل وأهميته في الوجود الإنساني.
3 -تحرير العقل من التقليد الأعمى وتوارث العقائد الباطلة بين الأبناء والآباء، كما كانت عليه الجاهلية الأولى، حيث لم يبادر أولئك القوم إلى استخدام عقولهم فيما يجري حولهم من الأحداث، وما تظهر لهم من الحقائق على يد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يبذلوا جهدًا عقليًا ليتعرفوا على المآسي والمظالم التي تأكل مجتمعاتهم من كل جانب، ولم يتأملوا يومًا بتلك العقول في ملكوت السموات والأرض والآيات الكبرى التي تكسر كل الحجب وتزيل الحواجز لتنطق بوحدانية الله وصدق رسالة نبيه، إنهم لم يستفيدوا من ذلك كله لأنهم حبسوا عقولهم في دائرة مظلمة، واتبعوا ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من العقائد والتصورات، يقول الله تعالى عنهم: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ
(1) سورة البقرة، الآية 269.
(2) سورة يوسف، الآية 111.
(3) سنن أبي داود، برقم 4403، ص 619. وكذا رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي.