نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ )) [1] .
فجاء هذا الدين وحرّم التقليد والتوارث في العقيدة، وجعل العقل من أهم وسائل معرفة الخالق والدلائل على وحدانيته وتصرفه في كونه.
4 -حرّم الإسلام تسفيه العقل وتحقيره من خلال الوسائل التي تؤدي إلى ذلك، من شرب الخمور أو المخدرات وغيرها، لقوله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) [2] .
5 -لقد كرّم الإسلام العقل من خلال التسامي به وتزكيته من ألوان الخرافات والأوهام المختلفة التي لا حقيقة لها في الحياة، ولا تمت إلى دين أو منطق، كما كان يدين ببعضها الجاهلية الأولى، ولا تزال بعض المجتمعات غارقة في أغوارها، مثل الإيمان بالتطير أو التشاؤم بأيام أو شهور معينة، حيث جاء التصريح النبوي بتحريم هذه الخرافات التي من شأنها تحجير العقل واستسلامه للأوهام، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» [3] .
6 -وكذلك حرر الإسلام العقل من الاستسلام للسحرة والكهنة والمنجمين الذين يتحدثون بأمور الغيب ويتنبؤون بمستقبل البشر والآجال التي تنتظرهم، بشكل يجعلون العقول تتوقف عن العمل والتفكير والتأمل بما هو أفضل في حياته، حتى ينقلب تصوره عن الحياة والكون ضربًا من الخوف الدائم والقلق المقيت من المستقبل وأخطاره، فجاء الإسلام وحرّر العقل الإنساني من الخضوع للشياطين وأوليائهم، وغذّاه من معين الإيمان ما يغنيه عن اللجوء إلى هذه الوسائل والمخادعات، وذلك من خلال التحذير النبوي للأمة بقوله: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» [4] .
7 -جعل الإسلام العقل من المقاصد الشرعية الضرورية الخمسة المطلوب حمايتها والحفاظ عليها، والتي هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض أو النسب، وحفظ المال.
من أجل أن يؤدي العقل دوره المخصص له في التلقي يجب ألا يحدث مواجهة بينه وبين مبادئ
(1) سورة البقرة، الآية 170.
(2) سورة المائدة، الآية 90.
(3) صحيح البخاري، برقم 5757، ص 1016. وكذا رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد.
(4) صحيح مسلم، برقم 5821، ص 990. وكذا رواه أحمد في مسنده.