العقيدة ومقررات الدين وأحكامه، فلا يتعامل مع القرآن كتعامله مع كتاب آخر من تأليف البشر، ولا يناقش أمور الغيب والعقيدة بناء على إدراكه المحدود فيخرجها من إطارها الإيماني الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الأمور العقدية والأصول الثابتة لهذا الدين هي خطوط وحدود ليس للعقل البشري تعديها أو الخوض في غمارها، لأن ثمة مجموعة من التصورات والمؤثرات تحكم هذا العقل، ولأن العقل لا يستطيع الإحاطة بما هو خارج عن طاقته، ولذلك كان من الضروري أن يكون النقل هو الوسيلة الأولى لتلقي علوم العقيدة والتشريع من مصدرها الأصلي الذي هو القرآن الكريم عن طريق الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام.
وبالتالي يمكن أن نحدد بعض الميادين التي يمكن أن يؤدي العقل فيها أدورًا مهمة إلى جانب مصادر التلقي، أو ربما يؤدي من خلالها وظيفته الحقيقية في الحياة، ونجمل ذلك في ثلاثة ميادين:
1 -العقل في ميدان العقيدة:
التفكر في الكون والتأمل في نظامه وحركته المتناسقة والمنتظمة وارتباطه بحياة الإنسان التي هي جزء منه، يقول عز وجل: (( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) ) [يس:40] [1] .
وقوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) ) [2] .
لأن التأمل في مكونات الكون وعجائبه وغرائبه يوصل الإنسان إلى الإيمان بالله وتوحيده، وهو التصور الصحيح الذي يحدد الطريق من بدايته. ومن أجل ذلك جاءت آيات كثيرة في كتاب الله تخاطب العقل البشري، وتأمره بهذا التأمل، وذلك لإيجاد الأرضية السليمة التي سيبني عليها هذا العقل الصرح الإيماني ومقتضياته من هذا الدين، وهذه هي الحكمة من أن معظم الآيات المكية تعالج هذا الجانب، لأنها كانت فترة البناء العقدي لدى الإنسان. ومن تلك الآيات قوله تعالى: (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ) [آل عمران:191] [3] .
وقوله تعالى: (( وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) ) [الذاريات:21] [4] .
وجاءت تلك المخاطبة بصورة علمية واضحة، يفهمها عامة الناس، وتذهب عنهم تلوث الشرك وأوهامه، كما في قوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) [الروم:27] [5] .
وقوله تعالى: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ ) ) [الطور:36] [6] .
2 -العقل في ميدان الاجتهاد الشرعي:
يظهر دور العقل جليًا في الاجتهاد والفتيا والشرعية، وذلك في عملية استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، والقياسات الصحيحة في الأحداث التي لها مثيلات من النصوص حتى يصل المجتهد في نهاية المطاف إلى الحكم الراجح بالمَلَكة العقلية التي استعملها، وبأعمال القواعد الشرعية.
وكان ذلك دأب السلف الصالح من هذه الأمة، فعلم أصول الفقه والقواعد الأصولية الفقهية الناتجة عنه، وكذلك الضوابط المنهجية التي اشترطها العلماء على قبول الروايات أو تركها، كان كل ذلك ثمارًا لإعمال العقل واستخدامه الصحيح.
فقد ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري: «اعرف الأشباه والأنظار، وقس الأمور برأيك» [7] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس
(1) سورة يس، الآيات 38 - 40.
(2) سورة النور، الآية 43.
(3) سورة آل عمران، الآيتان 190 - 191.
(4) سورة الذاريات، الآيتان 20 - 21.
(5) سورة الروم، الآية 27.
(6) سورة الطور، الآيتان 35 - 36.
(7) انظر رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع شرحها في أعلام الموقعين 1/ 90 - 140.