الصفحة 41 من 53

والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية، كانت الأقوال والأفعال مع عدمه: أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة، ووجد، وذوق، كما يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة .. لكن المسرفون فيه قصوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية - بزعمهم - اعتقدوها حقًا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم» [1] .

3 -العقل في ميدان العلوم التطبيقية:

للعقل دور كبير في الاكتشافات العلمية والابتكارات التقنية التي من شأنها رفع مستوى المجتمعات وتقدمها ورقيها وانعكاس ذلك على واقع حياتهم الاجتماعي والاقتصادي الثقافي والعسكري، ويشترك في هذا الأمر المسلم وغير المسلم، وقد خاطب القرآن الكريم العقل ليستفيد من النعم التي أودعها الله تعالى في هذا الكون، والتي خلقت لخدمة الإنسان وتسهيل أموره وقضاء حاجاته بالصورة التي يريدها الله تعالى من جلب المنافع ودرء المفاسد، يقول الله تعالى: (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) ) [إبراهيم:33] [2] .

وقوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ) [لقمان:20] [3] .

فالعقل أن يعمل في عالم الشهادة بكل حرية ضمن حدود الشرع، وذلك بالعمل في المجالات الخيّرة وجعل كل ما يصل إليه خدمة للإنسان وهدايته وليس حملًا عليه وسببًا لشقائه وعذابه، فالمجال مفتوح أمامه ضمن هذا الحد الذي بينه الله تعالى بقوله: (( يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) ) [4] .

وأدرك سلف هذه الأمة حقيقة هذه الآيات وما تهدف في تحقيق التقدم العلمي والمعرفي في جميع ميادين الحياة، حتى صارت أمة الإسلام خلال قرون قليلة رائدة في جميع العلوم والفنون، من الأدب

(1) مجموع الفتاوى 3/ 338 - 339.

(2) سورة إبراهيم، الآيتان 32 - 33.

(3) سورة لقمان، الآية 20.

(4) سورة الرحمن، الآية 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت