أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ) [1] حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه» [2] .
وقد انتهج أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم جميعًا في جمع القرآن منهجًا دقيقًا حتى لا يدخله الانحراف أو التبديل، وهو وجود شاهدين على من يأت بالقرآن سواء كان محفوظًا أو مسطورًا، رغم أن الذي قام بمهمة الجمع وهو زيد بن ثابت كان حافظًا للقرآن، مبالغة في الاحتياط.
المرحلة الثالثة: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:
ويجمل أنس بن مالك رضي الله عنه وضع القرآن في هذه المرحلة بحديثه المعروف: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدركْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق» [3] .
إن مصدرًا يتصف بهذه الخصائص والمزايا، وهذا التوثيق المُحْكم الذي لا يعتريه شبهة أو خلل، وفيه من الأحكام والقضايا والعلوم والقصص لجدير أن يُتبع ويكون هو المصدر الأول للبشرية قاطبة إلى يوم الدين، تأخذ منه نظمها ومناهجها، وتصورها عن الحياة والكون بقين واضح لا تعتريه أسرار ولا غموض.
(1) سورة التوبة، الآية 128.
(2) صحيح البخاري، برقم4986، ص894.
(3) صحيح البخاري، برقم4987، ص 894 - 9 - 895.