وبهذا يظهر أن مناط الحكم في التسعير هو وجود المصلحة فمتى وجدت جاز، ومتى كان التسعير مضرًا أو محتويًا على شيء من الظلم فهو ممنوع.
2 -التسعير في أجرة منافع العمال:
يقسم الفقهاء الأجراء إلى قسمين (101) :
أ- أجير خاص: وهو من يعمل لمعين عملًا مؤقتًا، ويكون عقده لمدة.
ب- أجير مشترك: هو الذي يعمل للمؤجر ولغيره.
وبعضهم يعبر عن الأجير الخاص: بأجير الزمن، وعن الأجير المشترك: بأجير العمل.
ويمثل الفقهاء للأجير الخاص: بالخادم أو الخادمة، ويلحق به اليوم السائق والموظف في الدولة أو في الشركة، فكلهم أجراء لعمل معين، وأجورهم مقدرة بالمدة.
ويمثل الفقهاء للأجير المشترك: بالبناء الذي يبني لكل أحد، ويلحق به اليوم أصحاب المؤسسات المختلفة الذين يستقبلون من الناس أعمالًا فقط من غير أن تكون منهم مواد العمل، لأنه لو كانت منهم مادة العمل خرج عن عقد الإجارة على عقد الاستصناع - كما سيأتي -، ومثل ذلك أيضًا أطباء العيادات الخاصة، وأصحاب ورش التصليح ونحوهم.
والتسعير على الأجير الخاص أو الأجير المشترك جائز، بل قد يكون هو الواجب والمتعين في بعض الأحيان، وهو الذي تقوم به بعض الدول، حماية لحقوق الأجراء، وحقوق المستأجرين لهم.
يقول ابن تيمية ممثلًا للتسعير في أجرة العمال:"وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال" (102) .
ثالثًا: التسعير في عقد الاستصناع:
التسعير في عقد الاستصناع قريب من التسعير في عقد الإجارة على الأعمال، فالعمل أو الصنع شيء واحد يكون من العامل أو الصانع، إلا أن محل العقد في العقدين مختلف، فمحل العقد في الإجارة على الصنع: هو العمل، أما في الاستصناع: فهو العين الموصوفة في الذمة، وفرق آخر هو أن الإجارة على الصنع تكون بشرط: أن يقدم المستأجر للعامل"المادة"، فالعمل على العامل، والمادة من المستأجر، أما في الاستصناع: فالمادة والعمل من الصانع (103) .
وبهذا يظهر معنى عقد الاستصناع والفرق بينه وبين عقد الإجارة على العمل، ويظهر - أيضًا - أن التسعير في عقد الاستصناع لا يخرج عن التسعير في عقد الإجارة أو عقد البيع، وبما أن التسعير في كلا العقدين جائز، فالتسعير في عقد الاستصناع جائز، بل قد يكون جواز التسعير في عقد الاستصناع أولى، خاصة في حالات حاجة الناس إلى من يصنع لهم ما يحتاجون إليه.
ومثال التسعير في الاستصناع: التسعير على أصحاب النجارة، أو الخياطة، أو الحدادة، أو غيرهم من أصحاب الورش التي تقوم بالعمل مع المواد.
ومن ذلك -أيضًا- ما ذكره ابن تيمية من التسعير على الطحانين أو الخبازين الذين يشترون الحنطة أو الدقيق ويصنعونه، فيلزمهم بيعه بثمن المثل في حال الحاجة إليه، يقول ابن تيمية:"أن يحتاجوا -الناس - إلى الصنعة والبيع فيحتاجوا إلى من يشترى الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبزًا، لحاجة الناس إلى شراء الخبز من"