لكن ربما كان أسوأ هدايا الغرب للعالم الإسلامي في مجال السياسة تقديس الميكيافيلية وقبول المقياس المزدوج للعدل، والتسليم بمبادئ الغرب في العلاقات الدولية. وقد ساعد على ضعف جهاز المناعة الإسلامي ضد هذه الشرور، غلبة الشعور بالنقص الناشئ عن الانبهار بما لدى الغرب من قوى الفكر والتكنولوجيا، وبما استطاع الغرب أن يحقِّقه داخل مجتمعاته من الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة أمام القانون بالمقارنة بما ترزح تحته مجتمعات العالم الإسلامي - أحيانًا بمساعدة الغرب - من تخلُّف، وظلم، واستبداد، وحرمان من الحرية، والعدل الاجتماعي، والقانوني.
غير أن العالم الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام منذ أن بدأ تعرضه للغزو الغربي في ميدان الثقافة الشريرة مهيَّئًا لصحوة النائم، وإدراك الجانب السلبي للحضارة الغربية كما هو مهيَّؤٌ في الوقت الحاضر. ذلك أن الإنسان مفطور بطبعه على كراهية الظلم - إذا كان صادرا من غيره - حتى لو كان واقعًا على غيره، فكيف إذا كان هو الضحية؟!
وفي السنوات الأخيرة - وهي سنوات أصبحت فرص الوعي فيها أكبر - مرت المجتمعات الإسلامية بسلسلة من أشنع المظالم ظهرت في صورة من الوحشية والهمجية والتنكر لكل المعاني الإنسانية، وقد صدرت من العالم"المتحضر"وبمباركته مثلًا في فلسطين، والبوسنة والهرسك، والشيشان، بل إن ما كان الإعلام الغربي يصفه على حقيقته بأنه حركة ضد الظلم والاستعباد في تركستان الشرقية، وكشمير أصبح على لسان الساسة الغربيين إرهابًا يبرِّر التحالف الدولي القضاء عليه.
مَغْزَى ما سبق أن البيئة الفكرية في العالم الإسلامي مهيَّئة الآن للتعرف على الجانب السلبي للحضارة الغربية وإدراك خطر وخطل المبادئ السياسية الغربية في العلاقات الدولية. وأصبح المسلم الآن أكثر استعدادًا للثقة بمنهج الإسلام وأنه طوق النجاة للعالم إذا أراد أن يتغلَّب على قوى الشر.