(2) - تعتبر المستشرقة الألمانية الراحلة زيجريد هونكه من أوسعِ المستشرقين اطِّلاعًا على تاريخ الإسلام، وقد وصفت بعباراتٍ مؤثِّرةٍ انتصارَ الصليبيين على المسلمين، واستيلاءهم على القدس، فقالت: (( عقب وصول [الصليبيين] إلى هدفهم المنشود (( بيت المقدس ) )طغت حماستهم فجرفت أمامها كلَّ السدود، وانطلقوا سيلًا بشعًا بربريا يأتي على الأخضر واليابس، وقد أجَّج ذلك صيامُهم ثلاثين يومًا حماسةً متعصبة ونذرا للرب تقربا.
ولقي هذا كله ردَّ فعلٍ لدى سفاكي الدماء … من فرسان"الفرنجة"من فرنسيين ونورمان وجموعهم التي انحدرت في طرقات بيت المقدس تحصد الأرواح حصدًا، لا تقع على إنسان إلا قتلته … رجالًا ونساءً وشيوخًا وولدانا.
وتذكر مصادرُنا الغربيةُ ذاتها أن ذلك الحصاد الوحشي بلغ عشرة آلاف ذبيح.
ويصف المؤرخ الأوروبي ميشائيل دارسيرر كيف كان البطريرك نفسه يعدو في زقاق بيت المقدس وسيفه يقطر دمًا حاصدًا به كلَّ من وجد في طريقه، ولم يتوقَّف حتى بلغ كنيسة القيامة وقبر المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصًا من الدماء اللاصقة بها، مردِّدًا كلمات المزمور التالي: (( يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقا، إنَّ للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلها يقضي ) ) [المزمور 58: 10 - 11] . أما الميدان الذي يتحلَّق قبة الصخرة والمسجد الأقصى الذي لجأ إليه معظم الأهالي المسلمين الهاربين هلعًا واحتماءً به، فقد تحوَّل تحت زحف الفرنجة المدمر … إلى حمام دماء خاض فيه مهاجمو النصارى حتى الكعبين، مواصلين الإجهاز على المسلمين. لقد كانت الحملة الصليبية الأولى … (1095 م) بمثابة المقدمة الموسيقية الحزينة لواحدةٍ من كبريات مآسي العبث في تاريخ الإنسانية. لقد حفر ذلك اليوم حفرًا يتأبى على المحو أبدًا في ذاكرة التاريخ … ولئن كانت الحملة الصليبية الأولى قد انتهت لوقت مؤقت معلوم بالغلبة الساحقة لمقاتلي النصارى