ولهذا الهدف أيضًا فلعلَّ من المناسب إيراد حالةٍ تطبيقية للممارسة الغربية للعلاقات الدولية، وليس أنسبَ من حالة الحرب الأخيرة (التحالف الدولي - أفغانستان) . إذ إن القارئ وقد عايش هذه الحرب فعلًا سوف يرى في التهيئة لها، وإجراءاتها وتداعياتها تطبيقات عملية لما تمَّ الحديث عنه نظرياًّ.
وعلى سبيل المثال: ليلاحظ القارئ التبريرات الأخلاقية التي قدمت للحرب حيث أفتى الفاتيكان بأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية التي قادت الحرب هي في حالة دفاع مشروعٍ عن النفس، وبما أنَّ هذه الفتوى لا تنطبق على الدول الأخرى المشاركة في التحالف إذ إن أياًّ منها لم تدَّع أن أحدَ مواطنيها قتل أو هدد بالقتل من قبل العدو. فقد كان التبرير الأخلاقي لهذه الدول أن الحرب (( حرب من أجل الحضارة، من أجل الديمقراطية، حرب الخير ضدَّ الشر ) ). أما رئيس الحكومة الإيطالية سنيور برلسكوني، وقائد القوات البرية في جيش التحالف الدولي الجنرال رشيد دستم فقد كان لديهما تبريرٌ أوسع نطاقًا وأكثر مرونةً: (( إنها حرب العالم المتحضِّر ضدَّ العالم غير المتحضِّر ) ).
والقارئ قطعًا سيستحضِر الاقتباس السابق: (( يزداد تأثير الدعاية زيادة كبيرة عن طريق التكرار والثبات لمدة طويلة من الزمن، كما يزداد بإزالة المصادر الأخرى للمعلومات أو التشويش عليها ) ) (ص 151) .
عندما يلاحظ إلحاح الإعلام الغربي، وبالتالي الإعلام العالمي، وتكراره، وتأكيده على نسبة الاعتداء الإرهابي الذي تعرَّضت له الولايات المتَّحدة في 11 سبتمبر إلى التنظيم الذي يتَّخذ من أفغانستان مركزًا له، حتى أصبح لدى الناس قضيَّةً مسلَّمةً. وذلك بالرغم من أن مقتضيات أمن المعلومات - فيما يبدو - حالت دون ظهور أدلة الإدانة لدى الجمهور. ولكن على كلِّ حال، فإنَّ الحكومات المشاركة في الحرب قد اقتنعت بأن الأدلة التي قدِّمت إليها كافيةٌ.