(( ليس الخيال وحده إذن هو الحافل بالشهادات القيمة في معاملة الخصم معاملة تخلو من التجني الظالم، وتقيمه موضوعيا، وتقدم له ما يستحق من احترام وتقدير، وتتيح للصداقة أن تنمو وتترعرع بين الخصوم … ومن الشواهد الدالة على هذا الموقف الأخلاقي أن أحد الألمان الذين شاركوا في الحروب الصليبية بعد عودته إلى وطنه على نهر الراين لم يجد بداًّ من تحرير رسالة إلى سلطان مصر الملك الكامل يعبر فيها عن مشاعره تعبيرًا مؤثِّرًا، وقد ترسَّخت في مخيلته المذابح الفظيعة التي أبيد فيها أهل دمياط بمصر جميعهم بناءً على أوامر البابا ومبعوثيه الكرادلة ورجال الكنيسة، وذلك بعد الاستيلاء على حصن دمياط بعد حصار طال.
لم يكن ذلك الألماني سوى عالم الفلسفة اللاهوتية (( اوليفروس ) )من كولونيا على نهر الراين بألمانيا الذي بهره ما اكتشفه من المروءة والفروسية العربية التي أثبتها في شخصية السلطان الكامل، على الرغم من جميع الأهوال والفظائع التي اعتادها السلطان من قبل النصارى.
ولقد سجَّل ذلك الشاهد ما لمسه بعينه كما لو كان ذلك حدثًا سعيدًا لا يمكن للعقل أن يتصوره. فقام بكتابة الرسالة التالية إلى السلطان الكامل عام 1221 … إذ أنه لم يقتص من الصليبيين العين بالعين والسن بالسن، وإنما أطعمهم في مسغبتهم مرسلًا إلى جيشهم المتضور جوعا كل يوم ثلاثين ألف رغيف ومواد غذائية أخرى، وكتب يقول: