إن إسبانيا تحت حكم العرب مثال يبين أنه بينما كانت أوروبا الكاثوليكية دون جبال البرانس تقضي قضاءً مبرمًا على كلِّ دينٍ آخر يجرؤ على الظهور إلى جانب دينها الكاثوليكي - بصفته الدين الأوحد للخلاص -، وذلك باتباعها سياسة التفرقة الصارمة إزاءَ غير النصارى، نرى أن النصرانية لم تُسْتَأصل ولم تَضِعْ تحت حكم العرب … كذلك اليهودية … تمتَّعت في ظلال الحكم العربي … لأول مرة بعد الشتات بمطلق الحرية إلى أن استعادت النصرانية الحكم في إسبانيا وطردت اليهود … فوق هذا كله، يبين مثال إسبانيا هذا أن تلك البلاد التي كانت قبل الحكم العربي تتسم بالفقر والخراب والاستعباد، قد استحالت إلى إسبانيا أخرى يرفرف الثراء والرخاء على كلِّ سكَّانها وتميزت بارتفاع مستوى كل طبقات الشعب وازدهار الحضارة والتمدُّن فيها وتقدُّمها في كافة العلوم والفنون … واستمرَّ ذلك خمسمائة عام، كما هو ثابت في تاريخنا بلا جدال، إلى أن زحفت إسبانيا النصرانية من الخارج فقوضت كل ذلك وحطمته تحطيمًا … إن سماحة النفس العربية وتسامحها … تلك السماحة التي يراها الإسلام شيئًا مفهومًا بداهةً جعله يرتضي ويتقبل وجود النصرانية مطلقًا … إن تلك الحضارة الزاهرة التي غمرت بأشعتها أوروبا لمدة قرون تجعلنا نعجب أشدَّ العجب، إذ هي لم تكن امتدادًا حضاريًا لبقايا حضارات غابرة … أو أخذًا لنمط حضاري موجود، كما نعرف في الأقطار الأخرى … على أن التربة التي فوقها نمت أغصان الحضارة وبراعمها فجأة تحت حكم العرب أقفرت وظلت عقيمًا، استشرى فيها الجدب ولم تتعهدها بالرعاية منذ ذلك الحين قوى حضارية خلاقة تذكر. إن العرب هم الذين أبدعوا إبداعًا يكاد يكون من العدم، هذه الروعة الحضارية الشامخة في إسبانيا تلك الجنة الفريدة الجمال لأساتذة فنِّ المعمار، والمغنِّين والمغنِّيات، والشعراء والشاعرات، والعلماء، بل جنة المرأة التي نسج الغرب حولها صورًا خيالية … غاية في الوحشية دون