الصفحة 23 من 62

الوجه الثاني: أن العقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تكاد تنحصر في الزجر، فقطع السارق لا يزيل الضرر عن المسروق، وقتل القاتل لا يزيل الضرر عن المقتول، وإقامة حد الحرابة على المحارب لا يزيل الضرر عن المتضررين منه، فشأن العقوبة في الشرع الزجر والردع وليس التعويض والجبر، ومن هنا فلا يسوغ القول بأن معاقبة المماطل بغير التعويض الدائن لا يفيد المتضرر شيئًا (1) .

قياس المدين المماطل على الغاصب، فكما أن الغاصب يضمن عين المال المغصوب وكذا منافعه المتقومة، فكذلك المدين المماطل يضمن المال الثابت في ذمته دينًا ومنافعه المحجوبة عن الدائن خلال مدة التأخير (2) .

وأجيب عن ذلك بأن هذا القياس قياس مع الفارق لأن القائلين بضمان منافع العين المغصوبة على الغاصب -كما هو مذهب الشافعية والحنابلة- يشترطون أن تكون المنفعة مما يصح أخذ العوض عنها، وذلك بأن يكون المغصوب من الأعيان التي يصح أن يرد عليها عقد الإجارة. قال الماوردي -رحمه الله-: «فصل: إذا تقرر أنَّ منافع المغصوب مضمونة فضمانها بشرطين:

(أحدهما) : أن تكون المنفعة مما يعاوض عليها بالإجارة، وما لا تصح إجارته كالنخل والشجر والدراهم والدنانير لا يلزم في الغصب أجرة.

(الثاني) : أن يستديم مدة الغصب زمانًا يكون لمثله أجرة، فإن قصر زمانه عن أن يكون لمثله أجرة لم يلزمه بالغصب أجرة» (3) أهـ. وقال النووي ـ رحمه الله ـ: «كل عين لها منفعة تستأجر لها يضمن -الغاصب- منفعتها إذا بقيت في يده مدة لها أجرة» (4) .

(1) - ينظر: المؤديات الشرعية لنزيه حماد (291، 292) ، الشرط الجزائي ومعالجة الديون في الفقه الإسلامي لمحمد شبير مطبوع ضمن أعمال الندوة الفقهية الرابعة لبيت التمويل الكويتي (ص 278) .

(2) - ينظر: بحث الزرقا (هل يقبل شرعًا الحكم على المدين المماطل(ص 94) .

(3) - الحاوي الكبير (7/162) وانظر: المهذب (1/374) .

(4) - روضة الطالبين 5/13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت