الصفحة 39 من 62

وقد اعترض على هذه التعديلات: بعدم التسليم بأن هذه المسألة ضد الربا وأنها لا يتحقق فيها معنى الربا، بل معنى الربا متحقق فيها، لأن من عجل ما لم يحل وقت سداده يعد مقرضًا للعاجل ليقتضي من نفسه الآجل، فهو قرض جر نفعًا..، وكذلك فإن معنى الربا متحقق في هذه المسألة من جهة أن الفرق بين المبلغين يقابل المدة الزمنية المزيدة أو المسقطة..، وكذلك تتحقق حكمة الربا فيه، حيث إن المرابي يستغل حاجة المدين، وهنا المدين يستغل حاجة أخيه الدائن (1) .

ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن يقال: لا يسلم بأن من عجل ما لم يحل وقت سداده يعد مقرضًا للعاجل ليقتضي من نفسه الآجل..، إذ كيف يقرض الإنسان نفسه؟!، بل لا يصدق على هذا أنه إقراض أصلًا، وحينئذ فالقول بأن هذه المسألة من القرض الذي جر نفعًا غير ظاهر..، وأما القول بأن معنى الربا متحقق في هذه المسألة من جهة الفرق بين المبلغين يقابل المدة الزمنية المزيدة أو المسقطة، فلئن سلم به في الربا فلا يسلم به في مسألة (ضع وتعجل) ، وذلك لأنه ليس كل زيادة لأجل الأجل تكون محرمة. فها هو البيع والشراء بالنسيئة فيما لا يشترط فيه التقايض جائز، وقد حكي الإجماع على جوازه (2) ، وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى نسيئة (3) ، ومعلوم أن البيع نسيئة مقابلة زيادة في الثمن في الغالب، إذ لا يكون سعر البضاعة بنقد حاضر كسعرها بنقد مؤجل -في الغالب-، وإذا جازت تلك الزيادة لأجل زيادة الأجل فإسقاطها مع إسقاط بعض الأجل أولى بالجواز..

أدلة القول الثاني:

(1) - ينظر: بيع التقسيط: لرفيق المصري (ص 34-56) .

(2) - ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ بن حجر العسقلاني (4/302/303) .

(3) - قال البخاري في صحيحه (4/302) (باب شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسيئة) ثم ساق سنده حديثًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت