وجهة دليل الحديث الأول على الحرمة هو قوله صلى الله عليه وسلم"يستحلون"أى يعدونها حلالًا بعد أن كانت حرامًا، ولفظ"يستحلون"كما جاء في كتب اللغة"استحل الشيء عدَّه حلالًا" [1]
وقد اختلف أهل العلم في مبعث الاستحلال هو اعتقادهم بحلها أو هى بالتأويلات الفاسدة؟ قال ابن حجر في الفتح [2] قوله صلى الله عليه وسلم"يستحلون"قال ابن العربي:"يحتمل أن يكون المعنى يعتقدون ذلك حلالًا، ويحتمل أن ذلك مجازًا على الاسترسال، أى يسترسلون في شربها كالاسترسال في الحلال، وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب إبطال التحليل: "لعل الاستحلال المذكور في الحديث إنما هو بالتأويلات الفاسدة، فإنهم لو استحلوها مع إعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرَّمها كانوا كفارًا، ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أن لايعاقبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي، ولما قيل فيهم"يستحلون"فإنَّ المستحلَّ للشيء هو استحلالهم الخمر، يعني أنهم يسمونها بغير إسمها كما في الحديث، فيشربون الأشربة المحرمة، ولا يسمونها خمرًا، واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سمع صوت فيه لذة ، وهذا لايحرم ، كألحان الطيور ، واستحلال الحرير وسائر أنواعه بإعتقادهم أنه حلال للمقاتلة وقد سمعوا أنه يباح لبسه عند القتال عند كثير من العلماء فقاسوا سائر أحوالهم على تلك! وهذه التأويلات الثلاثة واقعة في الطوائف الثلاثة التي قال فيها ابن المبارك رحمه الله تعالى: وهل أفسد الدين إلا الملوك .. وأحبار سوء ورهبانها. ومعلوم أنها لاتغني عن أصحابها من نثر شيئًا بعد أن بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم وبيَّن تحريم هذه الأشياء بيانًا قاطعًا للعذر، كما هو معروف في مواضعه."
(1) المعجم الوسيط
(2) فتح الباري 10/55