والحضور المكبر، لأن ذلك مفتن خطير، من شأنه أن يعكر النية، ويذهب الأجر، ويورث الحسرة والكآبة ويحول دون التأثير والرقة والانتفاع).
ومن شأن محبة الجماهير، أن يشوشوا الفقه الدعوي للعالم، ويدفعوا به إلى ما لا يحسن، حيث علق مجده بهم، فهو مضطر إلى إجابة رغباتهم، لئلا يخسرهم، وفي ذلك تطويع العلم للجهلة والرعاع، لأن الجماهير غالبيتهم من الطبقات الشعبية، والتي يسوقها التأثير ومحبة الخير، دون العلم والفكر.
أضف إلى ما ذلك من تعلق الداعية بهم، وعدم انشراحه لأي إسهام دعوي يخلو من التجمع والكثرة، ولقد تناسى أخلاق الأسلاف العلمية، التي تبذل العلم الشرعي من أعماقها دون ثمن جماهيري أو مادي، إلا الاحتساب ومحبة البلاغ.
مستحضرين قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) ، فالعالم مربٍ وداعية في كل الأحوال والظروف، كثر الناس أو قلوا، حضروا أو غابوا، ويعجبني قول من قال: (لقد هيأت نفسي على الإلقاء، دون التفات إلى العدد راجيًا التوفيق والإعانة) .
وقد كان الأئمة قبلنا إلى عصور متأخرة، يعقدون المجالس لأفراد معدودين، معتقدين النصح والتبليغ إلى أن اجتمع الناس لهم، لما شهدوا صدقهم، ومحبتهم الخير، فخافوا وأشفقوا ولم يتعاظموا أو يتعالوا.